فهاهم الناس يتزاحمون ... وها هم بين ضاحك مستبشر وبين مسود الوجه كظيم ... وما ذاك إلا لأن هذا نال وذلك لم ينل ... ماذا نال؟ شيئا قليلا من متاع الدنيا، لا يساوي عشر معشار ما ترك هو من متاع ...
وها هنا تدخل النفس مستغلة ثغرا فتح لها ..."أأنت اصح عقلا من هذا الجمع؟ انظر إلى حرصهم، انظر إلى جدهم وسعيهم ... للحصول على شيء قليل من المتاع ... وأنت تخرج من ملكك وتزهد فيه ... هل استشرت أحدا قبل الخروج؟".
"ألم تسمع إلى قوله تعالى: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} ".
ويقطع عليها حبل النقاش مدد آخر ..."يا فلان أتبيع لنا ثمار بستانك ونعطيك من المال ما شئت ... واعتبرنا في ثمنه متفقين".
وآخر ..."مشروع قديم ... ألم تعلم أن بنت فلان قد فسخت خطبتها، وهي في انتظار الخاطبين".
ومحطة أخرى حيث الوعظ والإرشاد وتقوية جانب النفس، فإن"المعركة تكاد تحسم ... لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"..."إني لكم من الناصحين"..."لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"..."من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"... وفرق اللمز منتشرة على جنبات الطريق هنا وهناك ..."إن الله لغني عن خروج هذا، وما عساه أن يصنع ... هل سيرد العدو لوحده؟".
وأخرى ..."والله ما خرج إلا رياء أو حماسا".
وبعدها فرقة التحايل المادي المقطوعة عن عالم الغيب، حيث مرضى القلوب والمنافقين ..."غر هؤلاء دينهم"... وحيث اليقين بعدم انقلاب المؤمنين إلى أهليهم أبدا.
ولم تكن تلك اللحظات تمثل عنده شيئا سوى معالم على صحة الطريق، فقد تم خروجه من بيته ولم تبق سوى لحظات ويقع أجره على الله ...
لم يلتفت يوم الفراق وراءَ ... ومهاجر في الله ودع قومه
ورمى الهوى لما أراد سماءَ ... ألقى ثقال الأرض عن أكتافه
يوما ولم يعرف بها رفقاءَ ... ومضى كأن الأرض لم يولد بها
فيردهن تصبرا وإباءَ ... تتزاحم الدمعات خلف جفونه
ومع الإصرار على المواصلة، وعدم الاكتراث بما يلقى في طريقه، يصل إلى حيث المراد ...
حيث مقام القدوة الحسنة، وربط الحجارة على البطون من شدة الجوع ... وحيث الحصار وحماية النفس بحفر الخندق، حتى لا يتقدم العدو ... مقام الحر الشديد، وأكثر القوم ظلا من يستظل بكسائه ... ومقام الجهد المتواصل والعمل الدائب ..."أوضعت السلاح، فإن الملائكة لم تضع سلاحها بعد"... و"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"... وقبلها ..."شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله عليهم قبورهم نارا"...