مقام الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ... {للذين أحسنوا منهم واتقوا اجر عظيم} ... مقام {إذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} ... مقام {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ولياخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} ...
إنه مقام ساعة العسرة والاجتماع تحت الشجرة للتبايع على الموت ...
وفي المقابل يرى الذين كفروا بعضهم أولياء بعض ... ومع إنفاقهم ليصدوا عن سبيل الله ... وحرصهم الشديد وعملهم الدائب لإطفاء نور الله ...
ويتذكر حينها ... قول المولى {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} ... ويلقي نظرة إلى الصف ليرى ذلك واقعا ملموسا، حيث اللبنات المهتزة التي تنسل من البناء لواذا ... {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} ... إن هي إلا إرادة الفرار ... و {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} ... وما هو إلا الاقتراب من الكفر والابتعاد عن الإيمان.
و {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ... و {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} ... و {لا طاقة لنا اليوم بهذا وجنوده} ... مع سابقة تقديم الشرب على الطاعة ...
والتشكيك في أهلية الأمير ... ومع سابقة لهم في ابتغاء الفتنة من قبل وتقليب الأمور ... وحيث الأمر بعدم الإنفاق حتى يحدث الانفضاض ...
ومن الجهة الآخرى لبنات الأنانية وحب الذات ... حيث المصالح الشخصية على حساب الإسلام ... {إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} .. {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} ... و {قد انعم الله علي إذا لم أكن معهم شهيدا} ...
ومن جهة ثالثة تتهاوى لبنات الورع الكاذب {إذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} ...
ومع تركه لحطام الدنيا، ووضع رجله على بداية الطريق، وتجاهله لمطالب النفس وشهواتها ... وإعراضه عن عواء المثبطين والمرجفين، وعدم التأثر بأباطيلهم وأراجيفهم ... وثباته ساعة العسرة، مصابرته لأعداء الله ... الساعين لإطفاء نوره ... ومرورا بسنة الله في تمييز صفوف المؤمنين واصطفاء شهداء ...
مع هذا كله ... يبقى هذا الطريق بابا من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم، يتمنى النبي صلى الله عليه وسلم ... ألا يتخلف عن السير فيه لحظة واحدة ... ويتمنى أن يحيى بعد قتله شهيدا ليقتل فيه ... وأخرى وثالثة ورابعة ... ويخبر صلى الله عليه وسلم إنه ما من عبد يموت وله عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وله ما فيها ... إلا من قتل في هذا الطريق ...
تشوقهم إلى الله المجيدِ ... وأعجب من تشوقهم لعدن
أعدنا كي نقاتل من جديدِ ... إذا لاقوه قالوا في رجاء
وفي الرضوان نطمع في المزيدِ ... فنقتل فيك مرات لترضى