من مراجعتهم مرارًا وتكرارًا في الوقت الذي يجب على الحركة الجهادية أو الدعوية أن تولي اهتمامًا بالغًا بتفريغ طائفة من أبنائها بين يدي العلماء ليحملوا فيما بعد لواء المسيرة العلمية في حركتهم، وليضطلعوا بأمر التوجيه والإصلاح، وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى الله.
فإذا انسد باب التعلم هذا، وانقطعت سبل الاتصال بأهل العلم انتقل الأمر إلى أمثل الموجود من طلبة العلم ليسدوا الثغرة، ويحملوا هذا الواجب الثقيل، وليس لأحد أن يترك واجب الدعوة والجهاد بحجة غياب العلماء فإن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
إن قطاعًا كبيرًا من عامة المسلمين يعيش فوضى تشريعية حقيقية، فإذا نزلت به نازلة أسلم فيها لهواه القياد، وأرخى لنفسه الأمَّارة الزمام، مع أن الشارع يوجب عليه استفتاء أهل العلم والذكر ويحرم عليه اتباع الهوى والاسترسال فيه؛ وهؤلاء الفوضويون أنواع: منهم الفسقة الذين لا يلتفتون إلى أمر الله، ولا يهمهم موافقة الشرع، ومنهم من يرجع في الأصل إلى أمر الله ويصدر عن شرعه على الجملة، ولكنه وجد في الهجمة الشرسة التي يشنها البعض على العلماء دون استثناءٍ حجةً يغلف بها عوار نفسه التي ترغب في أن ترتع كما تشاء ويستر بها قصوره وتقصيره، وهذا من آثار النقد الهمجي لأهل العلم، لأننا إذا جعلنا هذا العامي في حلٍ من الرجوع إلى العلماء فليس أمامه إلا أحد أمرين: الأول: اتباع الهوى إذ أنه لا يملك أهلية الرجوع إلى الأدلة للاستنباط منها، والثاني: الرجوع إلى طالب علم قاصر، وهذا لا يجوز إلا عند عدم المجتهد، والشريعة إنما جاءت لتخرج المكلف عن داعية هواه إلى اتباع أمر خالقه ومولاه كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله.
خطورة تعميم الأحكام
ومن المجازفات التي يقع فيها البعض: تعميم الأحكام، فكثيرًا ما يسافر الرجل إلى بلد من البلدان مثلًا فإذا تعرض لمعاملة سيئة في متجر أو مطعم أو فندق أو غيرها رجع بصورة قاتمة عن ذلك البلد الذي قد يكون تعداد أهله عشرات الملايين الذين شملهم الحكم بأنهم يسيئون معاملة ضيوفهم، وكذلك الحال فيما يتعلق بموضوع العلماء فتسمع من يقول لك: العلماء لا يقومون بواجبهم، العلماء مداهنون، العلماء يحبون الدنيا العلماء يتهمون المجاهدين بأنهم خوارج، إلى آخر هذه التعميمات الجائرة، لكن القرآن يؤدبنا بأدب مغاير لهذا السلوك الظالم.
فنجد الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} ، ولم يقل: (إن الأحبار والرهبان) وهذا يعني أن هناك قليلًا منهم لا يتصفون بذلك، وكذلك قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا} ، فكيف بعلماء المسلمين؟! وإننا إذ نقول هذا لا نريد أن نجعل أهل العلم على درجة واحدة من التقوى والخشية والورع والجرأة في قول الحق والصدع به ولا أن نوصلهم إلى مرتبة العصمة التي تمنع من نقدهم وتخطئتهم، ولكن ما أردنا التنبيه عليه والإرشاد إليه التأكيد على تجنب التعميم الذي يجرف التقي النقي والمتستر الدعي، ويسوي بين الصالح والطالح والصادق والمنافق، وللنجاة من هذه الزلة العظيمة والهفوة الجسيمة لابد للناقد المؤهل من ميزان دقيق يعرف به للناس حقوقهم، ويوازن بين سيئاتهم وحسناتهم، وسلوكهم ومواقفهم وفتاواهم، ليحفظ بذلك نفسه من مزالق الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة، ولكي لا يكون سببًا أو عونًا على تنشئة جيل متنكر لكل ما له صلة بالعلم والعلماء، نافر من كل ما يصل من جهتهم حقًا كان أو باطلًا، بل الأمر الذي ينبغي أن يتربى عليه المسلم ويدل عليه غيره هو البحث عن الحق وتتبع مسالكه، والتفتيش عن مظانه، كل ذلك بتجرد تام وتحرٍ كامل وجهد قدر المستطاع بعيدًا عن الهوى والكبر والتعصب الذي يعمي عن الحق ويحول دون