بلوغه فحيث وجد ضالته تشبث بها، وأخذها بحقها، وانشرح صدره بمعرفتها، فإن الحكمة ضالة المؤمن فأينما وجدت فهو أحق بها، والحق لا يعدم له قائلًا، وكمثال على ما ذكرنا هنا، وعلى أن العلماء ليسوا على درجة واحدة، فقد كان لبعض إخواننا المجاهدين في الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا تجربة عندما نزلت بهم نوازل احتاجوا فيها لفتوى من قبل بعض العلماء، فطوَّفوا في البلدان، وراسلوا عددًا كبيرا من أهل العلم فكتب بعضهم - جزاهم الله خيرًا، ولم يجب بعض آخر، ولا ندري هل هم معذورون أم لا، إذ إن هذا من الواجب المتعين عليهم، بناء على ما تقرر في الأصول من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وأجاب أحد أهل العلم الكبار عن جزء من تلك الأسئلة وأجاز طلبة العلم المجاهدين في الجماعة أن يتكلموا في باقي المسائل، وقال: (الحاضر في هذه المسائل أعلم من الغائب) وفي لقاء آخر أفتى أحدُ العلماء أهلَ الخير والإحسان بوجوب دعم الجماعات المجاهدة ضد حكومات بلادها المحاربة للإسلام من الزكاة وغيرها.
ورأوا مع ذلك بعض أهل العلم الذين لم يفتحوا لهم أبوابهم ولا صدورهم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الجلوس مع هؤلاء الإخوة المجاهدين الذين لم تنصفهم أمتهم إلا قليلًا، لسماع مشاكلهم والمساهمة معهم في حلها؛ فهل من العدل والإنصاف أن نجعل هؤلاء كلهم على حالة واحدة، وإذا كان تفاوتهم هذا في بعض النوازل والحالات، فكيف نسوي بينهم في الذم من جميع الوجوه.
عدم الانصاف .. وإغفال الحسنات
وكما أن الإنصاف لكلا الفريقين يقتضي منا أن نقول ما سطرناه هاهنا، فإنه يوجب علينا كذلك أن نذكر لأهل العلم - الذين انتقدنا بعض مواقفهم وفتاواهم وما زلنا ننتقدها - حسناتهم ومآثرهم ونشرهم للعلم ومحاربتهم لكثير من الانحرافات العقدية والاجتماعية، وألا نستكبر عن سؤالهم والاستفادة من علومهم فيما نظن أنه يغلب عليهم فيه الصواب، وإننا كما نرفض التقليد الأعمى والتعصب المقيت لأحد من العلماء قديمًا أو معاصرًا، فإننا نرفض كذلك أن يسقط أحد عدالة الشيخ الألباني مثلًا بحجج للاحتمالات فيها مجال واسع كما فعل صاحب كتاب الجامع في طلب العلم الشريف ص697، كما نرفض أن يحرِّم أحد الرجوع إلى تصحيحات الشيخ الألباني لخصومته العقدية أو الفقهية معه، وهذه مسألة أخرى ناشئة من عدم الإنصاف، ومبنية على عدم اعتبار فضائل العالم إلى جانب أخطائه، وهذه المسألة هي هجر مؤلفات العالم أو أشرطته عامة، مع أننا نرى أن العلماء من السلف ومن بعدهم قبلوا رواية المبتدع وكان شعارهم: (لنا صدقه وعليه بدعته) مع ضرورة التنبيه على فساد مسلك من ينزل اجتهادات الشيخ الألباني- فقهية كانت أو حديثية أو عقدية- منزلة الحديث النبوي نفسه، فلا يخرج عنها بحال، ولا يقبل من أحد لها نقدًا أو إبطالًا.
وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فإن واقع حاله من الزهد والخشية فيما نحسب -وهو ما شهد له به كبار أهل العلم الموثوق بدينهم وتجردهم -، تجعلنا نعتقد أنه انطلق في موقفه من الحكومة المرتدة من ظنه أنهم مسلمون يقيمون أحكام الله على الجملة، وفيهم ظلم وفسوق لا يستوجب مفاصلتهم، وقد أخبرنا أحد إخواننا الثقات الذين أقاموا في الجزيرة مدة طويلة كيف يلبس الأمراء على الشيخ، فيتصل سلمان أمير الرياض بالشيخ يوم الخميس، ويقول له: يا سماحة الوالد أنا اليوم صائم، وسأفطر معك الليلة، ثم يقول للشيخ: نريد أن نصدر القانون الفلاني، أو نعمل كذا وكذا فما حكم الشرع في ذلك؟! فإن أجاب الشيخ بالمنع قال سلمان: خلاص سنلغيه، وإن أجاب بالجواز قال: يعتمد.
ونقول: من ينكر زهد الشيخ وعلمه وورعه وصحة أصوله ومعتقده؟ ومن ينكر إغاثته للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟ ألم يقف الشيخ مؤيدًا لجهاد الطليعة في سوريا وأفتى بجواز دفع الزكاة لهم؟