ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يُغري في أعراض الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول) [الداء والدواء لابن القيم: ص 187] .
فالمسلم عامة - والمجاهد خاصة - من خلقه أن يكون محسنًا الظن بإخوانه الذين لم يظهر له منهم إلا الصلاح، وأن يكون سليم الصدر نحوهم، وأن يطلب لهم المعاذير إن أخطاؤا، وأن يحمل أقوالهم وأعمالهم على الجانب الحسن ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وليعلم أن ذلك هدى خير القرون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين امتثلوا الأمر وتجنبوا النهي حتى كأنهم مصاحف تمشي على الأرض.
قال عمر رضي الله عنه: (إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهده صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمنَّاه وقربناه، وليس لنا من سريرته شئ، الله يحاسبه على سريرته، ومن أظهر لنا شرًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) [رواه البخاري] .
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: (المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات) .
وكم رأينا من أناس صار سعيهم تتبع عثرات الناس - والمصلحين خاصة - فإذا سمعوا خيرًا لم يظهروه، وإن سمعوا عثرة أو زلة طاروا بها كشيطان العقبة وحملوها مالا تحتمل من اللوازم.
وكم رأينا أيضًا ممن يصم إخوانه الذين عايشهم زمنًا بكل نقيصة ويطلق لنفسه العنان في الخيال والظنون، لينسب إليهم أقوالًا وأعمالًا هم منها براء.
أخي الحبيب ...
إن هذا الداء - عافاك الله - مرض عضال، ومركب وعر ومرتقى صعب، وسلوك شائن وخلق ذميم وآفة ضارة بالصف المسلم لأنه يزرع الشكوك والتوجس والريبة، هذا على مستوى حياة المسلمين، وهو آكد في مستوى الجماعات الإسلامية وخاصة المجاهدة منها، وإن ثمرة هذا الداء هي الغيبة والكذب والقذف والحقد وفساد ذات البين بين العاملين للإسلام، كما هو شائع اليوم في كثير من الناس إلا من رحم الله وعصم.
ولهذا كله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التجسس والتحسس والتنافس والتحاسد والتباغض والتدابر، نهى عن هذه الخصال الذميمة السيئة بعد نهيه عن سوء الظن الذي هو أساسها وهي ثمرته.
قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا) .
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ... الآية} .
وجاء في تفسير الإمام ابن كثير: (يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخوف للأهل والأقارب والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا فيجتنب كثير منه