فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 163

ثم قام الكلب فقال: (إن لي رأسًا صلابته كالحديد وسينبت فيه قرنان عظيمان عما قريب، قد حدثني بعض أصدقائي انهما سيكونان كالسهام، فما هي إلا ضربة أو ضربتان فإذا هو زاهق، فلا شبل ولا عرين، فابشروا ولا تحزنوا فقط لا تنكلوا) .

ثم صاح الكلب - والحال هذه - في الجمع: (وهذا مدد أُردف بمدد، وعتاد فوق عتاد، فالنصر بدأ يلوح، والهزيمة القاتلة حول الشبل تفوح) .

وما أن استجمع الكلب لسانه، واقعد مقعدته، وأرخى ذيله، حتى قام فيمن قام ثعلب ماشيًا بين ظهرانيهم، فأثنى على من سبقه في الكلام ثم أردف قائلًا: (يا قوم هذا يوم نزال لا تنميق كلام، فلا بد من إحلال السلام، وإني لا أرضى أبدًا بالدون، فيدي دومًا بيدكم، فلكم مني سلاحي المليح) .

ثم قال - وكلهم قد شد انتباهه إليه منتظرًا ما يبيح: (فلي زئير وأيّ زئير، زئير تقطع منه القلوب، وتهابه الملوك، هو على العادي أشد وقعًا عليه من رشق بالنبال وطعن بالرماح، قد جربته وألفته، فما خاب فيه رجائي ولاساء به ظني، ولكم مني زيادة على ذلك إكراما لكم ومحبة، وهو بعري، فخذوه واصنعوا به رؤوس السهام وشدوا به أطراف النبال، وان شاتم فابردوا به واصقلوا به صفائح سيوفكم، وزينوا به هاماتكم، فهذا أوغر لصدور عدوكم، واشرح للصدور وليكم .. وإني لأعلن لكم وكلي صدق ووفاء اني معكم على العهد، فما من شيمتي نكث العهود ولا الغدر بالمواثيق، ولا يخفى عليكم فهذه من مكارم آبائي) .

وليس ببعيد عن هذا الجمع كان الشبل يسمع أقوالهم ويرى فعالهم، فما كان منه إلا أن تبسم ساخرًا غير مبالٍ بهم وبما يكبدون، فهمُّه هو إصلاح عرينه وحراسته والتفطن لنفسه من عدوه، أما هذه الخطب والمجامع فلا تخيفه ولا تثنيه، فما العدو عليه بجديد، وما كان هذا الكيد يومًا عنه ببعيد.

وممن كانت له كلمة في هذا الجمع الغراب فتقدم شاكرًا واستفتح بما عنده من أنغام ليطرب الحاضرين، فاستعذبوا بطربه، وتنغموا بشدى صفيره، وهم مترنحون يمنةً ويسرةً.

فتدخلت البقرة قائلة له: (حسبك لقد وعظت فأحسنت، وحرضت فأبلغت، فلك جزيل الشكر والعرفان) .

ولكنه أصّر على أن يشارك ويبارك، فخاطبهم وكله حماس وانفعال حتى احمرت وجنتاه: (عندي ثلاث بيضات هم أغلى ما عندي وأنفس ما أملك، وأما وأن الأمر كما ترون، فالرأي عندي أن احملهم إلى عنان السماء واقذفهم عليه وعلى عرينه حممًا وبراكين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت