كل هذه الأسئلة أيها المحب؛ تراودني على استحياء في أن يكون شعوري بنفسي عظيما، وفي أعين الناس حقيرا، عياذا بالله.
لقد تعلمت من عالمكم الظامئ إلى الحقيقة؛ أن الفطرة تستعلى بذاتها على الدنايا والرجس.
انتم يا أبا يحيى لم تأخذوا مني شيئا، ولم تتعلموا مني حرفا واحدا.
لا أقول هذا تواضعا، بل هي الحقيقة ... دعني أفسرها لك؛ لو أني قلت لكم أمورا، أو سقت لكم علوما غير ما سمعتم مني، وهذه المغايرات أستطيع بما أوتيت من قدرة على الإقناع أن احتج لها بالمتشابه من الدلائل - كما يفعل غيري - وهي أدلة كثيرة كثيرة،"تعرف منها وتنكر"، لقطعت حجتكم اللفظية في كل ما تعتقدون وتعلمون.
ولكن مع انقطاعكم هذا في الجدال والمحاورة، هل تكونوا مطمئنين لهذه الأفكار وراضين لها؟ الجواب؛ لا، ستنقطع ألفاظكم ولكن ستبقى عواطفكم وسليقتكم وفطركم تنكر ما أقول.
فأنت يا أبا يحيى وإخوانك؛ لم تتعلموا مني سوى إنكم رأيتم الحقائق التي تعيشونها في قلوبكم يمكن أن يعبر عنها في حرف مقروء أو ملفوظ، فطابق الخُبر الخبرَ، فشعرتم بتلك الراحة العجيبة - بحمد الله وتوفيقه، وهو الذي بفضله تتم الصالحات -
تشكو لي أيها المحب حال المسلمين وما آلوا إليه؛ وهذا كله حق.
ولكن أيها المحب؛ لا تنس أن تنظر إلى بذرة الجيل القادم من رحم الغيب، يخرج وقد امتشق سلاحه، وربط معاقد إرادته، ليحول الأرض إلى مسافات الحق الغائب، ويدفع الزيت في قناديل الضوء الخافت.
لقد تفجرت البذرة يا أبا يحيى، وسينتشر عبيرها الفواح دماء يغسل وجه الليل ببيارق الطيف الذي ينحر الظلمة، فيعلن الديك بصياحه بدء النور والآذان، وتشرق الشمس، ويرقبها رعاتها بالذكر والصلوات لرب العزة والجلال.
أواه أيها المحب؛ إن تلك اللسعات الباردة التي تحس بها، إياك ثم إياك أن يلبس عليك الشيطان فتظنها ألما وعذابا، لا ثم لا، إنها علاقة الحياة، ودليل الانتشاء عند من يحسن قراءة الحروف ويتقن حل الرموز.