كذلك أيضًا مما يفيد طالب العلم في ذلك مما لا تذكر فيه الآية, وهو مرتبة دون ذلك: ما يورده المفسرون في آية من الآيات, ويوردون في معنى تلك الآية حكمًا من الأحكام, فإذا ذكر العلماء آية من الآيات, ثم أوردوا كلامًا فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأحد من الصحابة، فإن هذا السياق ربما كان قد اختصر منه ذلك الموضع الذي يشير إلى أن هذا الكلام جاء في سياق هذه الآية, ولكن يذكرونه في كتب الأحكام وكتب التفسير من غير إشارة إلى هذا. وهذا ما يتضمنه كتب الأحكام، وما تتضمنه كتب التفسير, وهذا أيضًا مما لا حد له ولا حصر.
ثمة أئمة وأجلة من السلف الصالح من التابعين ممن اعتنى بأبواب أسباب النزول, وأبرز المعتنين بأسباب النزول من السلف الصالح هم أهل المدينة, فهم أظهر من اعتنى بأسباب النزول وأكثر من غيرهم, بل إن أقوى الأسانيد وأقوى المرويات في أسباب النزول هي عن المدنيين والمكيين. وأكثر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى منقولًا عنهم في أسباب النزول هو عبد الله بن عباس , وذلك لأسباب, منها: أن عبد الله بن عباس كان من أكثر الناس سؤالًا عن أسباب النزول ممن لم يدركه, وذلك أنه إنما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاب يافع في أول بلوغه, ولهذا قد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس: (أنه لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وابن عباس قد ناهز الاحتلام) ، ثم النبي عليه الصلاة والسلام توفي لما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. و عبد الله بن عباس إذا كان أكثر الصحابة مرويًا في أسباب النزول فإن ذلك إشارة إلى أنه كان ممن يسأل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وأيضًا تأخر وفاة عبد الله بن عباس عن كبار الصحابة كالخلفاء الراشدين.