فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 82

وهنا ثمة إشكال أو سؤال ربما يسأل كثير من الناس إياه: هل ثمة صلة بين معرفة سبب النزول وبين تقييد الحكم أو عمومه؟ أولًا: ينبغي أن يعلم أن الأصل في كلام الله جل وعلا العموم كما تقدم الإشارة إليه, وذلك أن الله سبحانه وتعالى ما أرسل نبيه إلا إلى الناس كافة, وإذا كان القرآن قد أنزل للناس كافة, فالقرآن الذي أنزل على محمد هو للناس كافة، ولو كان الخطاب على سبيل التخصيص. الإشكال الذي يورد هنا أن بعض آي القرآن جاء الخطاب خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم, فما الفائدة حينئذ من المعنى المتضمن لتلك الآية؟ فحينما خص الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بجملة من الخصائص التي عرفنا سبب نزولها, كقبول النبي صلى الله عليه وسلم لمن عرضت نفسها, وكخصائص بعض أمهات المؤمنين بتحريم النكاح لهن من بعده عليه الصلاة والسلام, وكخصيصة النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة أزواجه, وغير ذلك. إذا عرفنا هذا القيد, فما هو الحكم من هذه الآية الذي يشمل الأمة؟ أولًا: ينبغي أن يعلم أن المعاني الواردة في كلام الله سبحانه وتعالى لا تقيدها أسباب النزول, وإنما تقيدها ألفاظها, وإنما أسباب النزول إنما تدل على معانيها, وأما ألفاظها فإذا جاءت مقيدة فتحمل على تقييدها, وأما الحكمة من ورودها فهي على حكم كثيرة، منها: التعبد بتلك الألفاظ من التلاوة. الأمر الثاني: التدبر بتلك المعاني التي جاءت فيها ولو لم تكن متصلة بالإنسان, فإذا كان هذا بيان حال النبي صلى الله عليه وسلم وبيان حكمه فهذا أيضًا في أحوال الأمم السالفة, فالقرآن مليء بقصة موسى وعيسى ونوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم من أنبياء الله جل وعلا. وهذه القصص أحوال لأمم سابقة يستنبط منها الإنسان من المعاني والتدبر والحكم ما لا يتعلق بأحكام فقهية, فالقرآن ما جاء لبيان الحلال والحرام مجردًا, وإنما هو طريق هداية وتوطين للنفوس وانشراح للصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت