ومن العلل في ذلك أيضًا أن يقال: إن المرفوع الذي يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام يتضمن فيه التشديد من الاحتراز بأن نسبة الملفوظ من القول إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولو كان حقًا كبيرة من كبائر الذنوب. وأما نسبة الأقوال لغير الناس من الأقوال الحقة فإن الأمر في ذلك يسير, ولا يقال بجوازه, بل يقال: إنه دون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو نسبت حكمة قالها رجل من عقلاء الناس وهو لم يقلها ولكنها حق يتفاخر كل الناس بنسبة هذا القول إليه, فنقول: إن ذلك خطأ, وينبغي ألا يتعمده مؤمن, وأن ينزه نفسه عن ذلك, ولكن يختلف عن نسبة الأقوال ولو كانت حقة موافقة للأدلة التي جاءت رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشدد في المرفوع ما لا يشدد في الموقوف؛ لأنه جاء في الخبر كما في مقدمة صحيح الإمام مسلم , وجاء في سنن أبي داود، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) .يعني: إذا كان يظن ولا يقطع بذلك، فكيف بمن نسب شيئًا وهو يقطع بذلك بوجود كذاب أو وجود إسناد فيه إعضال ونحو ذلك، فإنه ينبغي أن يحترز في نسبة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأشد من أن ينسبه إلى غيره.
الحالة الرابعة: ما جاء من المرويات في أسباب النزول في غير آي الأحكام, وذلك مما لا يتضمن حكمًا كأسباب نزول القصص على النبي عليه الصلاة والسلام في حكاية الأخبار التي كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كأحوال المغازي ونحو ذلك، ما لم يتضمن حكمًا من أحكام الغنيمة والفيء والأنفال، وكذلك أيضًا العلاقة مع المؤمن والكافر ونحو ذلك, فإن هذا من مسائل الأحكام بل هو أولى من مسائل الأحكام الفقهية، فإنه يشدد فيها حينئذ.