(1) دونالد بوشالا في"تاريخ مستقبل العلاقات الدولية"مجلة"الأخلاق والشؤون الدولية"8 (1994) : 183.
القوة العظمى الأولى
أصبحت الولايات المتحدة في وضع فريد من نوعه بعد انهي ـار غريمه ـا المن ـافس له ـا. وبالتالي، فهي تمثل الآن القوة العالمية الأولى و الوحيدة في آن، ومع ذلك فإن س ـيادة أميرك ـا عالميًا تذكرنا في بع ض المجالات بالإمبراطوريات السابقة، بالرغم من الأبعاد الإقليمي ـة الت ـي ميزت هذه الإمبراطوريات. وهكذا، فقد بنت هذه الإمبراطوريات قوته ـا عل ـى ال ـسلطة الت ـي مارستها على أتباعها، والخاضعين لها، محمياتها ومستعمراتها، علما أنها كانت تنظر عمومًا إلى الخارجين عن هذه السي طرة بوصفهم برابرة. وإلى درجة ما، فإن هذه التعابير المنطوي ـة عل ـى مفارقات تاريخية ليست كلها غير ملائمة لبعض الدول التي تدور حاليًا في الفل ـك الأميرك ـي. وعلى غرار الماضي فإن الممارسة"الإمبريالية"الأميركية تشتق إلى حد كبي ـر م ـن التنظ ـيم الأمثل، ومن قدرتها على تعب ئة موارد اقتصادية وتكنولوجية ضخمة ومعدة لأهداف ع ـسكرية، ومن الإغراء الثقافي الغامض، والمتسم في الوقت ذاته بالأهمية والذي تتصف ب ـه طريق ـة أو أسلوب الحياة الأميركية، ومن الدينامية الحادة والتنافسية المتأصلة لدى النخ ـب (جم ـع نخب ـة) الاجتماعية والسياسية الأميركية.
كانت الإمبراطوريات السابقة تتمتع بهذه السمات عمومًا. ولعل روما ترد أو ًلا إلى ال ـذهن. فقد أقيمت هذه الإمبراطورية خلال قرنين ونصف قرن تقريبًا على توسع إقليمي دائ ـب نح ـو الشمال أو ًلا، ومن ثم نحو الغرب والجنوب الشرقي، إضافة إلى تأكيد السيطرة البحرية الفعال ـة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط كلها. فمن الناحية الجغرافية، وصلت ذروة التوس ـع ف ـي العام 211 قبل الميلاد (انظر الخريطة) . كانت روما ذات سلطة سياسية مركزية وذات اقت ـصاد يتمتع بالاكتفاء الذاتي. أما سلطتها الإمبريالية فقد مورست عن تعمد وقصد عبر منظومة معق ـدة من التنظيما ت السياسية والاقتصادية. وكذلك، فإن منظومة الطرق البرية والبحري ـة الم ـصم مة استراتيجيا، والمنطلقة من العاصمة، سمحت بإعادة الانتشار السريع وبالحشد، كلما حدث تهدي ـد أمني رئيس، للجيوش الرومانية المتوضعة في مختلف الدول التابعة، وفي المقاطعات الخاض ـعة للدولة المركزية.
وفي ذروة الإمبراطورية نشرت الجيوش الرومانية في الخارج ما لا يقل ع ـن 300 أل ـف رجل، وهي قوة كبيرة وهامة جعلت من التفوق الروماني في التكتيك والأس ـلحة حقيق ـة فعلي ـة إضافة إلى قدرة المركز على التحكم بإعادة النشر السريعة نسبيًا. (ومن المدهش أن نذكر أنه في العام 1996، كانت أميركا، التي تشكل حاليًا القوة العظمى ذات التعداد السكاني الأكبر