فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 194

بكثير من سكان الإمبراطورية الرومانية، تحمى أماكن الامتداد الخارجية لمناطق سيطرتها بوس ـاطة 296 ألف جندي محترف يتوضعون في ما وراء البحار.

ومهما يكن من اثر فإن القوة الإمبريالية لروما ك انت قد جاءت من حقيق ـة نف ـسية مهم ـة. فالقول"أنا مواطن روماني"كان أرقى تعريف ممكن بالذات، ومصدر فخر واعتزاز، وطموح ـًا يريد كل إنسان أن يحققه. وغالبًا ما كان يمنح ذلك حتى إلى الذين لم يكون ـوا ق ـد ول ـدوا ف ـي إمبراطورية روما، وكان هذا الوضع المتميز للمواطن الروماني يعتبر تعبيرًا عن تفوق ثق ـافي وتربوي يبرر الإحساس بأصالة السلطة الإمبريالية الرومانية. وهو لا يعني الانتماء إلى الحك ـم الشرعي لروما فحسب، بل كان يجعل الخاضعين لهذه السلطة راغبين في أن يتم قبولهم وتمثلهم وإدخالهم في البنية الإمبراطورية. فالتفوق الثقافي، الذي اعتبر أمرًا مسلمًا به من قب ـل الحك ـام ومعترفًا به من قبل الأتباع المذعنين عمل في نهاية المطاف على تعزيز القوة الإمبراطورية.

وعمومًا، فإن هذه القوة الإمبريالية المثلى، والتي لم يكن ينازعها أحد استمرت 300 سنة. وباستثناء التحدي الذي فرض في مرحلة ما من قبل قرطاج ة المجاورة وعلى الأطراف الشرقية للإمبراطورية اليونانية، فإن العالم الخارجي كان في معظمه بربريًا وغير منظم جيدا وغير قادر في غالب الأحيان على القيام إلا بهجمات متفرقة ومشتتة، ناهيك عن تخلفه الثقافي. وطالما كانت الإمبراطورية الر ومانية قادرة على المحافظة على الحيوية والوح ـدة ال ـداخليتين، ف ـإن الع ـالم الخارجي كان غير قادر على المنافسة.

ثمة أسباب ثلاثة رئيسة أدت إلى الانهيار الفعلي للإمبراطورية الرومانية. فالأول ه ـو أن الإمبراطورية أصبحت كبيرة جدًا ولم يعد ممكنًا أن تحكم من مركز واحد، ولكن انقسامها إل ـى نصفين غربي وشرقي د ?مر أوتوماتيكيًا الطابع الاحتكاري لسلطتها. والثاني هو أن الفترة الطويلة الأمد للإحساس بالغطرسة والاعتزاز خلقت مذهب المتعة الثقافي الذي عمل بالتدر يج على تآكل رغبة النخبة السياسية في العظمة. والثالث هو أن التضخم الدائم عمل بدوره على ن ـسف ق ـدرة النظام على المحافظة على نفسه دون تضحيات اجتماعية، الأمر ال ـذي ل ـم يع ـد المواطن ـون مستعدين للقيام به. وهكذا تأمر كل من التفتت الثقافي، والانقسام السياسي والتضخم المالي، لكي يجعلوا روما غير منيعة إزاء البرابرة الذين عاشوا على حدودها الخارجية.

لم تكن روما، حسب المقاييس المعاصرة الحالية، قوة عالمية حقيقية، بل كانت مجرد ق ـوة إقليمية. ومهما يكن الأمر في ضوء الإحساس بالعزلة التي كانت سائدة في ذل ـك الوق ـت ب ـين مختلف قارات العالم، فإن قوتها الإقليمية كانت متحفظة (أو محتواة ذاتيًا، وبتعبير آخر مستهلكة ذاتيًا) ومعزولة، ولم يكن يوجد لها غريم مباشر أو حتى بعيد. وهك ـذا، كان ـت الإمبراطوري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت