5 -إذا لم يكن للمورث وارث كانت تركته للدولة من بعده [1] .
مر تشريع الميراث بمراحل عديدة مراعاة لسنة التدرج المألوفة في الإسلام، وكانت مراحل تشريعه [2] كالآتي:
المرحلة الأولى: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هو وصحبه الكرام، تركوا أموالهم وأملاكهم في مكة فتلقاهم إخوانهم الأنصار من أهل المدينة فآووهم ونصروهم وقاسموهم أموالهم، فصار التوريث بالهجرة والتحالف والأخوة التي آخاها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين و الأنصار، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) } [الأنفال: 72]
المرحلة الثانية: ثم شرع الميراث بالوصية الواجبة للوالدين والباقي للأقربين من الولد وغيره. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [البقرة: 180] وقد كان ذلك واجبًا -على أصح القولين -قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منَّة الموصي [3] ، ولهذا جاء الحديث عن عمرو بن خارجة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه النسائي وابن ماجه والترمذي وصححه وحسنه ابن حجر [4] .
المرحلة الثالثة: ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة والتحالف، بالقرابة والرحم قال تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) } [الأنفال: 75]
المرحلة الرابعة: وفيها شرع الميراث بالقرابة دون تفصيل، وجعل للنساء حظوظا في ذلك، قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) } [النساء: 7] وقد كانت هذه الآية كالمقدمة، إذ جاءت مجملة وما تلاها مفصلا لقصد تهيئة النفوس.
(1) الإعجاز التشريعي لنظام الميراث في القرآن الكريم وأثره الاقتصادي والاجتماعي، أ. د أحمد يوسف سليمان.
(2) انظر فيما يأتي: ميرَاثُ المَرأة في الفِقه الإِسْلاَمي، رسالة ماجستير في المعهد العالي للقضاء.
(3) تفسير ابن كثير: (1/ 492 (.
(4) تحفة الطالب: (398) ..