فهذا طلب عسير وهو مثل من ترك الأكل مدة عشرة أيام فجاء في اليوم العاشر ليأكل كمية العشرة أيام مرة واحدة وتطبيق هذه القاعدة على حفظ القرآن أنه ينبغي السير البطيء المستمر بمعنى أن يحفظ كل يوم باستمرار لكن بمقدار قليل جدا وفي هذا المعنى يقول الناظم:
اليوم شيء وغدا مثله ... من نخب العلم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمة ... وما السيل إلا اجتماع النقط
إن تحميل الإنسان نفسه ما لا يطيق نهايته معروفة ونتيجته مؤكدة إنها الفشل وغالبا ما يكون مثل هذا التصرف دفع إليه مؤثر وقتي إما مسابقة عامة أو اختبار أو الانتصار على الأقران أو غير ذلك من الأسباب الدنيوية أما إذا كان الحفظ لوجه الله تعالى فلا يمكن أن يسلك هذا المسلك الخاطئ المخالف لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم.
إن الطريق الطويل يقطع على مراحل بين كل مرحلة وأخرى فاصل يتم فيه إعلان نهاية المرحلة السابقة وتحديد موعد لبداية المرحلة التالية وموعد لنهايتها وكلما كان تخطيط هذه المراحل مناسبا كلما كان السير أثبت وأدوم وتذكر دائما أن (من كبر اللقمة غص) فاجعل إنجازك لأهدافك مثل أكلك لطعامك لقمة لقمةً ووجبة وجبة لا توقف فيه ولا اندفاع بل يوما بيوم باستمرار.
ومن تطبيقات هذا المفتاح المرونة مع المتغيرات وعدم التحجر على نمط معين أو مستوى محدد لا تحيد عنه بل يجب التكيف التام مع المتغيرات نفسيا وعمليا بمعنى أنه في حال النشاط والفراغ وحصول الفرص يكون لك مقياس، وفي حال الفتور أو الانشغال أو عدم توفر الفرص يكون لك مقياس آخر وبين هذا وهذا تدرجات يلزم أن تكون خبيرا بها وتعطي كل ظرف ما يستحقه، وتحذر من إكراه النفس إلى أن تسقط بل يجب سياستها حال الفتور إلى أن تنقشع تلك الحالة وتزول وتكون قد سرت في تلك الفترة بالحد الأدنى مما يمكن تحقيقه بدل الإفلاس التام.