الحلول الإسلامية لمعالجة الأزمات المالية العالمية الراهنة
د. نورة أحمد مصطفى
إنّ الإسلام ليس دينًا يتعلّق بالآخرة فقط, إنّما هو دين اختصّ بالدّنيا والآخرة معًا, بل جعل الدّنيا هي سبيل الآخرة, قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين} َ [1] . وقال جلّ شأنه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [2] .
ولقد حضّ الإسلام على السّعي والبذل والعمل, ورغّب الإنسان بالتّمتّع بما أحلّ الله له, مع المحافظة على الحدود الّتي وضعها الشّرع. ولم يهتمّ الإسلام بالجانب الأخلاقي ومسألة الثّواب والعقاب فقط, إنّما دعّم هذا الجانب بجانب آخر فيه تشريعات وقوانين تلزم المسلم باتّباعها.
فالإسلام لم يقتصر"على النّصائح الأخلاقيّة في المجال الإقتصاديّ, بل دعم ذلك وأكمله, فأيّده بقواعد تشريعيّة, تنظّم العلاقات الماليّة, وتحدّد الحقوق, وتفرض الواجبات. كما أنّه تميّز عن الأنظمة الإقتصاديّة الوضعيّة بعدم الإقتصار على الإلزام الخارجي, فإنّه دعم قواعده الإلزاميّة بأسس ودوافع اعتقاديّة ونفسيّة"
والجديد الذي تحمله الأزمة الحالية هو هيكليتها، فهي ليست أزمة ظرفية نابعة من حالة عدم انسجام حيني بين عوامل أولية أو ثانوية، ولكنها تنبثق أساسا من فشل رؤية أيديولوجية وهزيمة مدرسة فكرية، وسقوط مقاربة حضارية، وانفضاح أخلاقية تعامل وممارسة داخل إطار متكامل لفلسفة حياة في هذا المسار وفي البحث عن"الحقيقة"أو عن البديل المرتجى والمنتظر، تدخل المرجعية الإسلامية لأول مرة بعد غياب طويل، ساحة العرض بعد أن ظلت لعقود موطن التلقي والتقليد، ومخبرا للنماذج والتصورات، لتدلي بدلوها عبر طرح بصماتها نحو بديل إنساني عادل، تجاوزا لهذا المأزق الحضاري أولا، وللأزمة الاقتصادية ثانيا، التي تمثل إحدى منازله الأساسية والخطيرة [4] .