والإنسان حرّ في اختيار عمله, حسب ميوله وإمكاناته, وليس لأحد أن يمنعه من العمل, إلّا في حالات تستطيع فيها الدّولة منعه, وذلك إذا اختار عملًا غير مشروع كالشّعوذة والدّجل والبغاء مثلًا، أو في حالة أن اقتضت المصلحة تغيير بعض الأعمال, وفرض شروط عليها لضمان عدم الإضرار بالآخرين, أو لضمان حاجة الدّولة إلى هذه الأعمال, من باب التّخطيط المستقبلي لنهضة الدّولة وتطوّرها, فيمكن للدّولة أن تطلب شروطًا معيّنة لعمل الطّبيب مثلًا, مثل تدرّبه وحصوله على شهادة معيّنة لضمان عدم إضراره بالنّاس, أو أن تحدّد الدّولة شروط القيام بصناعة ما, وكلّ ذلك من أجل الحفاظ على مصلحة الأمّة والأفراد.
ويمقت الإسلام كنز المال, ويريد من هذا المال أن يبقى دائمًا دائرًا ضمن النّشاط الإقتصاديّ وذلك إمّا بالإنفاق, أو العمل والإستثمار. ولا يجوز أبدًا أن يصبح الإنسان حارسًا لهذا المال, بل يجب أن يكون المال خادمًا للإنسان, ووسيلة لتلبية حاجاته.
ولقد حثّ الإسلام على الإنفاق والبذل, مهما كانت حالة الإنسان الإقتصاديّة. يقول تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا} [23] , وما ذلك إلّا ليبقى المال في حركة دائمة, هذه الحركة الّتي تؤمّن تكاثره واستعماله.
وهكذا فقد رأينا أنّ الإسلام لم يترك النّشاط الإقتصاديّ دون تنظيم أو تخطيط, بل لقد وضع الإسلام قواعد وأسسًا تصلح لكلّ زمان ومكان, لأنّها عامّة لا تتبدل, ويندرج تحتها كثير من المتغيّرات الّتي تسير ضمن دائرة هذه القواعد العامّة, بما يضمن خير الإنسان في الدّنيا والآخرة.
المبحث الأول
مقومات الفكر المقاصدى للأموال في الإسلام
المطلب الأول:
فلسفة الرؤية المقاصدية:
تظهر جليا الرؤية الإسلامية للأموال من خلال علم المقاصد في الشريعة الإسلامية أنه لم يأتي أمر أو نهى بالمعاملات المالية إلا وفيه مصلحة العباد يقول العز بن عبد السلام"وقد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم، وليست المشقة مصلحة" [24] .