ويقتضي استقراء الشريعة أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قّلت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة، وإن قّلت على البعد .. وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [25] فالمصلحة إذًا كانت هي الغالبة عند مناظراتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعًا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد .. فإن تبعها مفسدة أو مشقة، فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه. وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعًا، ولأجله وقع النهي ... فإن تبعها مصلحة أو لذة فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل [26] .
وما منع الإسلام سبب من أسباب الكسب المادى إلا لفساده ونتائجه السيئه على البشر مثل الربا وغيره من صور البيع المنهى عنها يقول الإمام الشاطبى"الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح، كما أن الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد" [27]
ويؤكد هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية"أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما" [28] .
ومن خلال هذا التصور نرى أحكام الشريعة الإسلامية لم تأتى إلا من أجل سعادة العباد في الدارين الدنيا والآخرة"والتكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم" [29] "والشريعة كلها مصالح إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح"
وهذه الرؤية ليست مرتبطة بعصر دون عصر، أو بفترة زمنية دون أخرى، أو بمكان دون مكان، فهذه الرؤية ثابته ومستمرة مع أحكام الشريعة التى"مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" [31]
وهذا التصور قد أصابه خلل عند البعض إما بسبب جهل لمقاصد الشريعة أو سؤ فهم فهناك من""توهّم أن المال ليس منظورًا إليه بعين الشريعة إلا إغضاء، وانه غير لاق من معاملتها إلا رفضا.