لذلك اقتنعت الشريعةُ في هذا الشان بأن لم تنه الناس عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، وبأن بينت ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد رغبة ورهبة، وبان لم تغبن أصحاب الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن هم أنفقوها في مصارفها النافعة" [32] "
وهكذا تنزرع القضية المالية في صميم الكليات الكبرى للشريعة، كما تنزرع في فروعها وجزئياتها، وذلك اعتبارا للوظيفة الحيوية للمسألة المالية في الأمة، فجاءت الأحكام الشرعية بمجموع مراتبها وأنواعها في موضوع ا لمال لتحفظه من جانب الوجود ومن جانب العدم، وذلك بضبط النشاط المالي كسبا وإدارة وإنفاقا [33] .
فالمقصد الأصلي من المال يتمثل في تأمين بقاء حياة الإنسان في حده الأدنى، أما الوسيلة لتحقيق هذا المقصد فتنحصر في توظيف القضية المالية والحركة الاقتصادية لتلبية الحاجات الضرورية لحياة الإنسان على سبيل الوجوب الشرعي [34] .
أما المقصد التبعي الكلي للمال فيمكن إجماله في توفير وتلبية حاجيات الكفاية للإنسان، وذلك لتأمين قدرته على الإعمار ضمن إطار العبودية العامة، كما يلحق بالمقاصد ا لتبعية تلبية الحاجات الكمالية والتحسينية لحياة الإنسان، غير أنها أدنى درجة من حاجات الكفاية.
أما الرغبات الترفية فليست من المقاصد التبعية للمال، لأنها لا تعبر عن الحاجات الحقيقية لفطرة الإنسان، و إنما هو سلوك اجتماعي سلبي يقود حين يعم إلى الانحلال التاريخي كما هو مقرر في علم الاجتماع البشري، لذلك تكررت في القرآن الكريم إدانة الترف وأهله، فقد اعتبر الحق سبحانه الترف سببا من أسباب دمار المجتمعات [35] في قوله تعالى {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [36] كما اعتبره من أسباب ورود جهنم في قوله تعالى {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [37]
وإجمالا فإن الرؤية المقاصدية للشريعة الإسلامية للأموال هى تهدف"إلى جلب اللذات والأفراح، ودفع الآلام والغموم عن الناس، في هذه الدنيا وفي الآخرة، فالله تعالى غني عن العالمين."
وهذا المبدأ على بداهته إلا إنه ضاع عن فهم الراعي والرعية في بلاد المسلمين ونشأ مبدأ آخر مكانه وهو أن نعيم الآخرة لا ينال إلا من خلال شقاء المسلم في الدنيا. وارتبط الإسلام وشريعته في أذهان غالب المسلمين بهذا الفهم، فكان التجافي والهجرة العملية الطويلة إلى العلمانية.