النُّون وَكَسْر الْقَاف الْمُشَدَّدَة , وَكِلَاهُمَا صَحِيح. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: (كُنْت لَك كَأَبِي زَرْع لِأُمِّ زَرْع) قَالَ الْعُلَمَاء: هُوَ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِهَا , وَإِيضَاحٌ لِحُسْنِ عِشْرَته إِيَّاهَا , وَمَعْنَاهُ أَنَا لَك كَأَبِي زَرْع , (وَكَانَ) زَائِدَة , أَوْ لِلدَّوَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أَيْ كَانَ فِيمَا مَضَى , وَهُوَ بَاقٍ كَذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعُلَمَاء: فِي حَدِيث أُمّ زَرْع هَذَا فَوَائِد. مِنْهَا اِسْتِحْبَاب حُسْن الْمُعَاشَرَة لِلْأَهْلِ , وَجَوَاز الْإِخْبَار عَنْ الْأُمَم الْخَالِيَة , وَأَنَّ الْمُشَبَّه بِالشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ مِثْله فِي كُلّ شَيْء , وَمِنْهَا أَنَّ كِنَايَات الطَّلَاق لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَة: كُنْت لَك كَأَبِي زَرْع لِأُمِّ زَرْع وَمِنْ جُمْلَة أَفْعَال أَبِي زَرْع أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته أُمّ زَرْع كَمَا سَبَقَ , وَلَمْ يَقَع عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَاق بِتَشْبِيهِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاق. قَالَ الْمَازِرِيّ: قَالَ بَعْضهمْ: وَفِيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ النِّسْوَة ذَكَرَ بَعْضهنَّ أَزْوَاجهنَّ بِمَا يَكْرَه , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَة لِكَوْنِهِمْ لَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ أَسْمَائِهِمْ , وَإِنَّمَا الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة أَنْ يَذْكُر إِنْسَانًا بِعَيْنِهِ , أَوْ جَمَاعَة بِأَعْيَانِهِمْ. قَالَ الْمَازِرِيّ: وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى هَذَا الِاعْتِذَار لَوْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ اِمْرَأَة تَغْتَابُ زَوْجَهَا , وَهُوَ مَجْهُول , فَأَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا هَذِهِ الْقَضِيَّة فَإِنَّمَا حَكَتْهَا عَائِشَة عَنْ نِسْوَة مَجْهُولَات غَائِبَات , لَكِنْ لَوْ وَصَفَتْ الْيَوْم اِمْرَأَة زَوْجهَا بِمَا يَكْرَههُ , وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد السَّامِعِينَ كَانَ غِيبَة مُحَرَّمَة فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ بَعْد الْبَحْث فَهَذَا لَا حَرَج فِيهِ عِنْد بَعْضهمْ كَمَا قَدَّمْنَا , وَيَجْعَلهُ كَمَنْ قَالَ: فِي الْعَالِم مَنْ يَشْرَب أَوْ يَسْرِق. قَالَ الْمَازِرِيّ: وَفِيمَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِل اِحْتِمَال. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: صَدَقَ الْقَائِل الْمَذْكُور , فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا عِنْد السَّامِع وَمَنْ يَبْلُغُهُ الْحَدِيث عَنْهُ