ـ وما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلي نكد الحياة؛ ولأنه كلما أرضي احدي الضرتين سخطت الأخرى فهو بين سخطتين دائما، وأن هذا ليس من الحكمة، فهو كلام ساقط يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه البتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام كلا شئ؛ لأن المصلحة العظمي يقدم جلبها علي دفع المفسدة الصغرى.
ـ فلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أوأن إيلام قلب الزوجة الأولي بالضرة مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا كما هو معروف في الأصول.
ـ قال في"مراقي السعود"عاطفا علي ما تلغي المفسدة المرجوحة في جنب المصلحة الراجحة:
أو رجح الإصلاح كالأساري ... تفدي بما ينفع للنصارى
وانظر تدلي دوالي العنب ... في كل مشرق وكل مغرب
ـ ففداء الأساري مصلحة راجحة، ودفع فدائهم النافع للعدو مفسدة مرجوحة فتقدم عليها المصلحة الراجحة، أما إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت المفسدة أرجح كفداء الأساري بسلاح يتمكن بسببه العدو من قتل قدر الأسارى أو أكثر من المسلمين، فإن المصلحة تلغي لكونها غير راجحة، كما قال في"المراقي":
أخرم مناسبا بمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم
ـ وكذلك العنب تعصر منه الخمر وهي أم الخبائث - إلا أن مصلحة وجود العنب والزبيب والانتفاع بهما في أقطار الدنيا مصلحة راجحة علي مفسدة عصرالخمر منها ألغيت لها تلك المفسدة المرجوحة.
ـ واجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد يكون سببا لحصول الزنا، إلا أن التعاون بين المجتمع من ذكور وإناث مصلحة أرجح من تلك المفسدة، ولذا لم يقل أحد من العلماء إنه يجب عزل النساء في محل مستقل عن الرجال، وأن يجعل عليهن حصن قوي لا يمكن الوصول إليهن معه، وتجعل المفاتيح بيد أمين معروف بالتقي والديانة كما هو مقرر في الأصول.
ـ فالقرآن أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير، لا يطعن فيه إلا من أعمي الله بصيرته بظلمات الكفر.
ـ وتحديد الزوجات بأربع تحديد من حكيم خبير، وهو أمر وسط بين القلة المفضية إلي تعطل بعض منافع الرجال وبين الكثرة التي هي مظنة عدم القدرة علي القيام بلوازم الزوجية للجميع.
والعلم عند الله تعالى.