ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: إباحته تعدد الزوجات إلي أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن لزمه الاقتصار علي واحدة أو ملك يمينه كما قال تعالي: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: 3)
ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء منها: ـ
أ ـ أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض وتنفس إلي غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلا في غير ذنب.
ب ـ أن الله أجري العادة بأن الرجال أقل عددا من النساء في أقطار الدنيا، وأكثر تعرضا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة، فلو قصر الرجل علي واحدة لبقي عدد ضخم من النساء محروما من الأزواج، فيضطرون إلي ركوب الفاحشة، فالعدول عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع الأخلاق والانحطاط إلي درجة البهائم في عدم الصيانة، والمحافظة علي الشرف والمروءة والأخلاق فسبحان الحكيم الخبير الذى يقول:
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ... (هود 1)
جـ ـ أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم علي القيام بلوازم الزواج لفقرهم، فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء، لأن المرأة لا عائق لها والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة علي لوازم النكاح،
فلو اقتصر الواحد علي الواحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضا بعدم وجود أزواج، فيكون ذلك سببا لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة والانحطاط الخلقي وضياع القيم الإنسانية كما هو واضح. ـ فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن وجب عليه الاقتصار علي واحدة أو ما ملك يمينه لأن الله يقول:
{إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} ... الآية (النحل 90) والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز لقوله تعالي: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (النساء 129 ) )
أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهن أكثر من بعض، فهو غير مستطاع دفعه للبشر؛ لأنه انفعاال وتأثر نفساني لا فعل، وهو المراد بقوله: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء} (النساء: 129)
كما أوضحناه في غير هذا الموضع.