لزامًا عليه أن يقول بظاهره ويحكم بمقتضاه, وإن لم يفعل ذلك كان تاركًا للنص ومعرضًا عن الحديث ...
وحاشا أي إمامٍ من أئمة المسلمين أن يعرض عن الحديث الشريف, وهو نافذ الدلالة والحكم بمقتضى اجتهاده, وهم الذين اشتهر دينهم, واستفاضت عدالتهم, وعرفت تقواهم, رضي الله عنهم أجمعين.
وكأن هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم لم يفرقوا بين أصول الحديث وبلوغه إياه, وبين ثبوته عنده, وسلامته من المعارض الراجح في نظره.
مع أنه من المقطوع به, أن لكل إِمام من الأئمة قواعده وضوابطه وأصوله التي يعتمد عليها في الاستنباط, سواء أكان ذلك في ثبوت الحديث لديه أم عدم ثبوته, أو في دلالته ومعناه, أو في سلامته من معارض راجح أو غيره.
وسواء أوافق في هذه القواعد والضوابط غيره من المجتهدين أم خالفهم فيها, فليس قول مجتهد أو مجتهدين بحجة على قول مخالف له في الأصول أو في الفروع.
وإن سيرة الأئمة المجتهدين في استنباطاتهم ومواقفهم من النصوص تؤكد هذا الجانب, فما من إمام إلا وقد ثبت عنه القول في مسائل خالف فيها أحاديث صحت عند غيره ولم تصح عنده, أو عمل بأحاديث صحت عنده ولم تصح عند غيره ...
وما أحسن قول أبي يوسف رحمه الله, وهو يخالف الإمام أبا حنيفة رحمه الله في حكم بيع الوقف, ويقول بلزومه كما قال الجمهور حيث يقول: (( لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به, ورجع عن بيع الوقف ) )"فتح الباري (ج 5/ 43) "ولم ير العلماء المحققون في هذا شيئًا ينكر, اللهم إلا عند بعض من ضاقت نفوسهم ممن خالفهم, أو قصرت أفهامهم عن وعي أسباب الاختلاف, فزلت أقدامهم ونظروا إلى ذلك نظرة شك وارتياب, وقد وقع هذا في عصور مختلفة لسلف الأمة وخلفها حتى اليوم ...
وقد استنكر قديما وحديثا موقف المحدث ابن أبي ذئب المدني رحمه الله من الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة, حيث لم يعمل بظاهر الحديث الصحيح الذي أخرجه في موطئه وهو: قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ... إلخ ) )"الحديث متفق عليه"فحمل الإمام مالك: التفرق فيه على التفرق بالأقوال, كما هو رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله في المسألة. لأن الإمام مالكًا يرى هذا الحديث مع ثبوته, معارضًا لما هو أقوى منه في نظره؛ ألا وهو عمل أهل المدينة, الذي