الفصل الأول
موقف العلماء من الاختلافات العلمية
ظهر لنا مما سبق في حقيقة الاختلافات العلمية ونشأتها وأسبابها، أن اختلاف العلماء في الأحكام أمر طبيعي، لا مناص منه، تبعًا لاحتمال كثير من النصوص الشرعية من جهة، واختلاف العقول والأفهام من جهة أخرى ...
ومع هذه النتيجة القطعية، يجد المتتبع لمواقف العلماء من هذه الاختلافات في السلف والخلف ما قد يفهم منه تعارض مواقفهم منها، واختلافهم في النظرة إليها ... مما قد يشوش على بعض طلبة العلم ذهنه، فيحار في كيفية الجمع بين ما ورد عنهم في ذلك، وبين النتيجة الحتمية التي توصلنا إليها سابقًا.
ولهذا أحببت أن أذكر في هذا الفصل -تتميمًا للفائدة وإزالة للالتباس-ما نقل عن العلماء في ذلك. مع توجيه أقوالهم وتوضيحها، ومحاولة الجمع بينها فيما لا يدع مجالًا للشك والتردد ...
فقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتابه (( جامع بيان العلم وفضله ) )بابًا خاصًا بعنوان: (( باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف الفقهاء ) )"جامع بيان العلم وفضله (78:2 - 92) "وجاء فيه:
(( قال أبو عمر: اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين:
أحدهما: أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة رحمة واسعة، وجائز لمن نظر في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة -ما لم يعلم أنه خطأ- فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة، أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه.
فإذا لم يبن له ذلك من هذه الوجوه، جاز له استعمال قوله، وإن لم يعلم صوابه من خطئه، وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء وإن لم تعلم وجهه.
هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعن سفيان الثوري إن صح"وقد روي هذا المعنى عن سفيان في مصادر مختلفة أشرت إلى بعضها في كتابي عن الإمام سفيان الثوري، كما روى الخطيب البغدادي في كتاب (( الفقيه"