بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد انطلقت في تسمية هذا الكتاب في طبعاته الثلاث السابقة باسم (( دراسات في الاختلافات الفقهية ) )، وتقييد الاختلافات (( بالفقهية ) )من مقولة علمية شائعة مفادها: أن الخلاف العلمي المقبول بين المسلمين، إنما هو في الفقهيات لا في العقديات، حتى وصل بعضهم إلى رد أي خلاف يقع في المسائل العقدية دون نظر إلى أسبابه، أو إلى من صدر عنه ذلك الخلاف، ما دام جاريًا في مسألة عقدية!!
وكنت أقف خلال مسيرتي العلمية، ومطالعاتي المتنوعة على نماذج من الخلاف العلمي في بعض المسائل العقدية، فأحار في تفهمها، وأعجب من مخالفتها لتك المقولة المشهورة بين أهل العلم، التي كادت تصبح قاعدة علمية مسلمة!!
بل وصل الأمر عند بعض العلماء، إذا أراد أن يبرر خلافًا علميًا في مسألة عقدية، يجتهد في تأويلها، أو يعمل على ردها إلى المسائل الفقهية، ليقرر قبول ذلك الاختلاف، ويدفع عنه الإنكار!
ومن أولى المواقف التي لفتت نظري في هذه القضية، وأثارت تعجبي، موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- من الخلاف القائم في حكم التوسل بالأنبياء والصالحين، حيث أشار إليه، وتقبله، معتبرًا الخلاف في حكم التوسل، من الخلاف الفقهي الذي لا ينكر، مع ترجيحه لكراهته، وتفريقه بين التوسل المتفق على تحريمه، والتوسل المختلف فيه، حيث يقول: (( ... قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع قولهم: إنه لا يستغاث بمخلوق! فالفرق ظاهر جدا، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر العلماء ينهي عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه. ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور إنه مكروه، فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.