الفصل الثاني
الإنكار في المسائل الاختلافية
إن من أهم المسائل المتصلة بحكم الاختلافات الفقهية, وتحقيق موقف العلماء منها, مسألة الإِنكار في المسائل الاختلافية.
فالمتتبع لأقوال العلماء في ذلك على مختلف المذاهب والعصور, يراهم شبه مجمعين على أن من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أن يكون المنكر المنهي عنه متفقا على كونه منكرًا على تفصيل لبعضهم في ذلك.
وسأنقل في هذا الفصل عددًا من أقوال العلماء في هذه المسألة: 1 -
روى أبو نعيم بسنده عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله قوله: (( إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه ) )"الحلية (6: 368) وانظر رسالتي عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله ص 98"وروى الخطيب البغدادي عنه قوله: (( ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحدًا من إخواني أن يأخذ به ) )"الفقهية والمتفقه (2: 69) "2 -
ونقل ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية عن الإمام أحمد رحمه الله تحت عنوان: لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع, ما نصه:
(( وقد قال أحمد في رواية المروذي: لا ينبغي للفقهيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم ... ) )كما نقل عنه روايات أخرى تخالف ذلك في لعب الشطرنج وغيره, وذكر رواية أخرى عن الإمام أحمد, أنه لا ينكر على المجتهد بل على المقلد.
كما نقل عن القاضي أبي يعلى في الأحكام السلطانية أنه قال: (( ما ضعف الخلاف فيه, وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد ... فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته ) )"الآداب الشرعية (1: 186) وغذاء الألباب (1: 218) والأحكام السلطانية لأبي يعلى"
ص 297"ولعل حمل روايات الإمام أحمد على ما ذكره القاضي أبو يعلى يجمع بين الروايات، ويوفق بين الأقوال، فلا ينكر في المسائل الاختلافية إلا إذا ضعف فيها الخلاف، كالاختلاف في حكم ربا النقد، ويمكن أن يقاس عليه ما روي عن الإمام أحمد في الإنكار على اللاعب بالشطرنج وغيره ..."