المقيد في بعض الأحوال. وقولهم بالأخذ بعمل الراوي إذا عمل خلاف ما رواه ... إلى غير ذلك من أصول تعرف في كتب الأصول ...
ولأهمية هذا السبب وعمق أثره في اختلاف العلماء اعتنى الباحثون به في العصر الحاضر. حتى دعا القائمين على أمر الدراسات العليا في جامعة الأزهر إلى تقرير مادة تعرف (( بأثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ) )وذلك في قسم أصول الفقه.
كما قدم فيه الأستاذ الدكتور مصطفى سعيد الخن رسالته للدكتوراه، وكانت بحثًا وافيًا لهذا السبب، تصلح مرجعًا حديثًا للباحث في اختلاف العلماء.
وسأقتصر هنا على عدد من الأمثلة الهامة التي توضح أثر هذا السبب في اختلاف العلماء، فمن ذلك:
فإن الإمام مالكًا رحمه الله يرى إجماع عمل أهل المدينة على أمرٍ ما حجة قوية يستدل به على الأحكام الشرعية، وقد قال مبررًا منهجه في الأخذ بإجماعهم في رسالته الموجهة إلى الإمام الليث بن سعد رحمه الله فقيه مصر ما نصه:
(( ... فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: (( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ... الآية ) )"100 من سورة البقرة"وقال تعالى: (( فَبَشِّرْ عِبَاد، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ... الآية ) )"17 - 18 من سورة الزمر".
فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.
ثم قام من بعد أتبع الناس له من أمته، ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم، وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف وقال امرؤ: غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله، وعمل بغيره.
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به ما لم أر لأحد خلافه، للذي بأيديهم من تلك الوراثة، التي لا