فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 97

قد يعجب بعض الناس من الكتابة في أمور الخلاف في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الاتفاق وتناسي الأمور الخلافية.

ولكن سرعان ما يزول هذا التعجب عندما يرى القارئ الكريم أن حديثنا عن الاختلاف ليس بحثًا في مسائل خلافية فرعية ننتصر فيه لرأي دون رأي، أو نرجح فيه مذهبًا على مذهب ... وإنما هو بحث في توضيح حقيقة هذا الاختلاف الفقهي القائم، وبيان نشأته وأسبابه وحكمه، مما يساعد الناس على نبذ الاختلاف، واستئصال جذور التفرقة، ومما يساهم -إن شاء الله- في الوصول إلى تعاون أتم، واتفاق أعم ...

ولقد ثبت لي هذا عمليًا من خلال تدريسي مادة أحاديث الأحكام خلال سنوات مضت في كلية الشريعة بالرياض في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فلمست أثر هذا التفهم لطبيعة الاختلاف وأسبابه في سلوك الطلبة العلمي والعملي، مما دفعني إلى متابعة الموضوع والحرص على نشره في أوسع نطاق ...

وإن من يختبر حياة الناس، ويدرس مشاكلهم واختلافاتهم، يجد كثيرًا من الاختلافات إنما تنشأ عن سوء فهم بعضهم لبعض، أو عن سوء ظن طرفٍ بالآخر .. فيتحكم بذلك الخلاف، وتبعد الشقة بين الأطراف، وإذا ما جمعت المقادير يومًا بين مختلفين، واطلع كل منهما على وجهة الطرف الآخر، واقتنع بحسن نيته ومقصده، تزعزع جدار الخلاف بين الخصمين حتى يكاد يزول، وعاد الطرفان إلى الاتفاق والوئام الذي لا يعكره شيء ...

ولعل هذا المثل العلمي من واقع حياة الناس يوضح لنا حقيقة الاختلاف الذي يقع أحيانًا بين المختلفين في حقيقة المذاهب الفقهية والآراء العلمية.

إذ ينظر كل طرف إلى الآخر على أنه خصمه اللدود فيحاربه ويسعى دائمًا للانتصار عليه.

حتى إن بعضهم ينظر إلى المذاهب الفقهية نظرتهم إلى الخلاف المشئوم.

فيتصور المذاهب الأربعة خصومًا أربعة يحرص كل منهم على تحطيم خصمه والانتصار عليه، وكأنه لا وجود لهذا مع وجود ذاك، أخذًا مما توحيه تصرفات بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت