الفصل الثالث
نماذج من أدب العلماء بعضهم مع بعض
بعد أن عرفنا موقف العلماء من المسائل الاختلافية في الأحكام الشرعية، آن لنا أن نستعرض بعض النماذج الدالة على موقفهم هذا، والمصورة لأدبهم العلمي الرفيع في احترام بعضهم لآراء بعض، ذلك الاحترام الذي لم يمنعهم من مناقشة الآخرين، ومناظرتهم في آرائهم ...
والجدير بالذكر أن هذه المواقف التي سأعرضها إنما تمثل موقف الجماهير من العلماء، إذ لا يخلوا عصر من العصور من العلماء شذوا عن هذه القاعدة، وضاقت نفوسهم بآراء غيرهم، ورأوا أن ما خالفهم هو الباطل الصريح، إلا أن مواقفهم نفسها تشهد بشذوذهم، ولم تلق في سلف الأمة وخلفها إلا الإنكار والإعراض ...
ولا يخفى على أحد موقف جمهور الأمة من أسلوب ابن حزم رحمه الله مع الاعتراف بسعة علمه وكبير اطلاعه ...
وقد مر معنا عند بحثنا للسبب الأول من أسباب الاختلاف، استنكار العلماء لموقف ابن أبي ذئب رحمه الله وغفر له، من الإمام مالك بن أنس رحمه الله، حيث خالفه في حكم ثبوت خيار المجلس وتأول حديث: (( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ... ) )على أن التفرق المراد إنما هو بالأقوال، فأنكر عليه ابن أبي ذئب وقال: (( يستتاب مالك، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ) )وتعقبه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بقوله:
(( مالك لم يرد الحديث، ولكن تأوله على ذلك ) )"انظر السبب الأول من أسباب اختلاف العلماء من هذا الكتاب ص 38".
وسأكتفي هنا برسالة متبادلة بين الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، والإمام الليث بن سعد فقيه مصر، في مسائل علمية تشهد لكل من الطرفين بعلو رتبته في الأدب والخلق، مع الاتفاق على علو مكانتهما العلمية، عسى أن يجد فيها القراء عامة، وطلاب العلم خاصة نموذجًا حيًا يقتدى به في البحث العلمي، والمناظرات العلمية، فلا خير في علم لا يزينه أدب ولا يحرسه خلق ...
1 -رسالة الإمام مالك إلى الإمام الليث بن سعد رحمهما الله ورضي عنهما: