قد تتعارض ظواهر بعض النصوص الشرعية, فيختلف العلماء في الجمع بين ظواهرها والتوفيق بين معانيها, أو في ترجيح بعضها على بعض, مما ينتج عنه اختلاف في الأحكام الشرعية ...
فيحاول العلماء أولًا الجمع بين النصوص ما أمكن الجمع عملًا بالأدلة جميعًا, فلا يصيرون إلى ترجيح بعضها على بعض إلا بعد تعذر الجمع عليهم, وبروز التعارض لديهم, لأن التعارض إنما هو بالنسبة لفهم المجتهد ومداركه العلمية, أما في حقيقة الأمر, فلا تعارض في الشريعة الغراء ...
وباب الجمع والترجيح, باب دقيق يتجلى فيه تفاوت الأفهام وعمق الأنظار, إِذ قد يهتدي فيه المجتهد إلى مأخذ لم يلحظه غيره, أو يقتنع بوجهة لا يوافقه عليها الآخرون ...
ولهذا كان ميدان الجمع والترجيح, سببًا هاما من أسباب اختلاف الفقهاء رحمهم الله في استنباط الأحكام الشرعية, وتباين مواقفهم من النصوص المختلفة.
ولدقة هذا الأمر, خَفِيَتْ على بعض الناس مآخذُ الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم, فظنوا بهم الجهل في بعض النصوص, ومخالفتها وتركها لمجرد الرأي ...
وسأذكر هنا بعض الأمثلة من مواقف الأئمة أمام النصوص المتعارضة, قاصرًا بحثي الآن على التعارض بين النصوص الشرعية, غير معرج على التعارض بين النصوص والأصول الاجتهادية التي تبحث في السبب الرابع إن شاء الله, والتي تعتبر سببا متميزًا من أسباب اختلاف الفقهاء.
وأسباب الترجيح بين النصوص كثيرة فصلها علماء الأصول في كتبهم, وحصرها بعضهم في أربع نقاط رئيسية: -
فهناك ترجيح يعود إلى سند النصوص المتعارضة: كأن يرجح النص المتواتر على المشهور. أو ترجح رواية الأعلم والأضبط على غيره ... -
وترجيح يعود إلى متن النصوص المتعارضة: كأن يكون أحد النصين آمرًا والآخر ناهيًا, فيرجح النهي على الأمر, أو يكون التعارض بين نص مجازي وآخر حقيقي فترجح الحقيقة على المجاز ... -
وترجيح يعود إلى مدلول النصوص المتعارضة: كأن يكون مدلول بعضها التحريم, ومدلول بعضها الإِباحة, فيقدم النص الذي يدل على التحريم على النص المبيح ... -