فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 97

فهمه، فهو أكثر وضوحًا من سابقه، نظرًا لوضوح الاختلاف والتفاوت في العقول والأفهام.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما جرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة بني قريظة، مما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة الأحزاب نزل عليه جبريل واستعجله بالذهاب إلى بني قريظة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مستعجلًا لهم: (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) ).

فأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد رسول الله ذلك منا، فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم جميعًا على هذا الاختلاف، ولم يعنف أحدًا منهم"فتح الباري (411:8) "

فلقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافهم في فهم النص الواحد الذي سمعه الجميع منه، وهم أصحابه والمخالطون له صباحًا ومساءً، سفرًا وحضرًا، والمتلقون عنه كلام الله، فهم أفهم الناس بمراده، إذ أن أعلم الناس بمقاصد المتكلم من كلامه أصحابه، وقد أدى اجتهاد بعضهم في هذه المسألة إلى تأخير الصلاة عن وقتها عمدًا أخذًا بظاهر النص.

كما أدى اجتهاد الآخرين إلى مخالفة النص في الظاهر, فصلوا في الطريق, وطبقًا لاختلاف الصحابة في هذا, اختلف العلماء في ترجيح أحد الفهمين على الآخر, وقد رجح ابن القيم رحمه الله وغيره من العلماء الفهم الثاني على الأول ...

ومما يلحق بهذه الأمثلة أحكام الحج؛ فلقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة, وأمر بأخذ المناسك عنه, ومع ذلك نجد الخلاف واسعًا في بعض هذه الأحكام بين الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين نظرًا لاختلاف الروايات من جهة, واختلاف الأفهام لهذه الأعمال من جهة أخرى.

فمن حامل لهذه المناسك على الوجوب, ومن حامل لها على النَدْب بحسب القرائن واللابسات, مما هو معروف مشهور في مناسك الحج.

ولا يتسع المقام هنا إلى الإسهاب في ذكر أمثلة على ذلك, وإن أيسر نظرة في كتب الاختلافات العلمية- من أهل العلم والفهم- توضح لصاحبها حقيقة ما أشرت إليه دون خفاء أو اشتباه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت