الفصل الثالث
ميدان الاختلافات العلمية
بعد أن تبينا حقيقة الاختلافات العلمية، وعرفنا أسبابها ونشأتها، آن لنا أن نقف وقفة عند بيان ميدانها ومجالاتها لتوضيح بعض الجوانب، ومناقشة بعض الشبهات في ذلك.
فقد أشاع بين أهل العلم قديمًا وحديثًا قولهم: إن الاختلافات العلمية بين المسلمين، تنحصر في المسائل الفقهية، وأنه لا خلاف بينهم في العقديات، حتى كاد يصبح هذا القول قاعدةً مطلقةً مسلمة عند كثير من العلماء، مما جعل بعضهم يتحرج من الخوض في بعض المسائل العقدية الخلافية، ويتعجب من الخلاف القائم في الماضي حولها! حتى أني عندما وضعت كتابي هذا (( دراسات في الاختلافات الفقهية ) )حصرتها في الفقهية بناء على هذه القاعدة المسلمة!
لكن المتتبع لسيرة السلف الصالح من الصحابة والتعبعين، ومن بعدهم رضوان الله عليهم جميعًا -لا يجد ما يؤكد صحة إطلاق هذه القاعدة، وإنما يجد الخلاف قائمًا بينهم في كلا الميدانين: الفقهي، والعقدي، إلا أن خلافهم في المسائل العقدية، يعتبر قليلًا إذا ما قيس بخلافهم في المسائل الفقهية.
وذلك لأن الله بحكمته جعل معظم أدلة العقيدة صريحة الدلالة على المراد منها، مما يقلل ويضيق ميدان الاجتهاد فيها، خلافًا لأدلة الفقه، فإنه جعل معظمها ظنيًا محتملًا للمعاني و الأقوال المتعددة.
وإلا، فإنه لا انفكاك في الشريعة الإسلامية بين الجانبين: العقدي والفقهي، ولا قداسة لأحكام دون أحكام، فجميع الأحكام الشرعية: العقدية والفقهية أحكام الله وشرعه.
ومن هنا: نجد أنفسنا بعد البحث والتحقيق مضطرين أمام هذه القاعدة السابقة، أو القول الشائع: بأنه لا خلاف بين المسلمين في العقديات، وإنما الخلاف في الفقهيات، أن نقول:
يحمل هذا الإطلاق في القول، على أسلوب التغليب في الحكم، فلا يراد به كمال إطلاقه، فإنه لما كان معظم اختلاف علماء المسلمين في الفقهيات، وكان اختلافهم في العقديات قليلًا نسبيًا، أطلق العلماء هذا القول تغليبًا، وهو أسلوب مألوف معتاد في اللغة والشرع ...
ولعل الأدق منه أن نقول: (( إن خلاف المسلمين في الفروع لا في الأصول ) )، ونعني