الفصل الثاني
نشأة الاختلافات العلمية
تعود نشأة الاختلاف في الأحكام الشرعية إلى نشأة الاجتهاد في الأحكام الذي بدأ يسيرًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث استغنى الناس بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
ثم توسع بعد ذلك بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بتوزع الصحابة رضوان الله عليهم في الأمصار ...
وطبيعي أن يتوسع الاختلاف في الأحكام الشرعية بانقطاع الوحي من السماء، وبتوزع الصحابة رضوان الله عليهم، لأنه يرجع في طبيعته إلى أصلين أساسين:
1 -أولاهما: احتمال النصوص الشرعية.
2 -ثانيهما: اختلاف المدارك والأفهام.
فلقد اقتضت حكمة الله عز وجل في شرعه، أن يكون كثير من نصوص القرآن والسنة محتملةً لأكثر من معنى واحد، إذ أنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، واحتمال الألفاظ في اللغة العربية أمر مسلم مما تمتاز به لغتنا عن اللغات الأخرى.
كما اقتضت حكمته في خلقه، أن يجعلهم متفاوتين في عقولهم ومداركهم، ليكمل الكون، ويبرز ميدان التفاضل والتمايز بالعلم والعقل ...
ولا يشك عاقل بأن هذين الأصلين إنما يؤديان إلى نتيجة حتمية بدهية وهي الاختلاف في الآراء والأحكام ...
ولننظر هذا في معادلة رياضية واضحة:
(أ) -نصوص محتملة + عقول وأفهام متفاوتة =آراء مختلفة.
(ب) -نصوص قطعية + عقول وأفهام واحدة =آراء واحدة.
ولعله من الغفلة عن هذين الأصلين، وهاتين البديهتين نشأت فكرة الدعوة إلى توحيد المذاهب والآراء، واتخذت سبيلها إلى بعض النفوس، لما تحمله بين ثناياها في الظاهر من معاني الوحدة المحببة إلى النفوس، ومن مظاهر الاتفاق والالتقاء على رأي واحد ... ولكن هيهات وهيهات!!!
لقد خفيت عن هؤلاء حكمة الله عز وجل في هذا الخلق، الذي لو شاء لجعل الناس أمة