فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 97

واحدة في تفكيرها وأفهامها، ولأنزل عليهم الكتاب مبينًا مفسرًا لا إجمال فيه ولا احتمال ...

ولو شاء أن تتوحد الآراء والأفهام في أحكام دينه الذي تعبد به عباده، لغير طبيعة النصوص الشرعية، ووحد الأفهام البشرية لتتفق على أمر وحكم واحد ...

خذ مثلًا قول الله عز وجل في سورة البقرة: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) ) (البقرة: من الآية 228)

وقابله مع قوله تعالى في السورة نفسها، وقبل هذه الآية بآيتين: (( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر ) ) (البقرة: من الآية 226)

تجد أن سبحانه قال في الآية الأولى (( ثلاثة قروء ) )وقال في الأخرى (( أربعة أشهر ) )فقوله: (( ثلاثة ) )في الأولى و (( أربعة ) )في الأخرى ... إلخ نص قطعي لا يحتمل أكثر من معنى واحد وهو العدد المعروف.

وبمقارنة هذا مع قوله سبحانه في الأولى: (( قروء ) )وفي الأخرى: (( أشهر ) )نجد أن اللفظة الأولى (( قروء ) )تحتمل أكثر من معنى واحد في الوضع اللغوي العربي، خلافًا للفظة الأخرى (( أشهر ) )فإنها قطعية المعنى لا تحتمل أكثر من معنى واحد ...

قال أبو عمرو بن العلاء:

(( من العرب من يسمى الحيض قرءًا، ومنهم من يسمي الطهر قرءًا، ومنهم من يجمعها جميعًا، فيسمي الطهر مع الحيض قرءًا ) )"تفسير القرطبي (113:3) ".

ويقول أبو بكر أحمد بن على الرازي الجصاص في كتابه (( أحكام القرآن ) )قال أبو بكر: (( قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من وجهين:

أحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملًا لما تأوله السلف عليهما، لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء، وما يتصرف عليه المعاني من العبارات، فلما تأولها فريق على الحيض، وآخرون على الأطهار، علمنا وقوع الاسم عليهما.

ومن جهة أخرى: أن هذا الاختلاف قد كان شائعًا بينهم مستفيضًا، ولم ينكر واحدًا منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه، فدل ذلك على احتمال اللفظ للمعنيين، وتسويغ الاجتهاد فيه ... ))"أحكام القرآن للجصاص (430:1) ".

أليس بعد هذا يكون من الطبيعي أن تتعدد الآراء في هذه الآية الكريمة (( ثلاثة قروء ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت