الفصل الرابع
موقف المسلم تجاه الاختلافات العلمية
يمكننا بحث موقف المسلم من المسائل الاختلافية من ناحيتين:
الأولى: من حيث تفهم طبيعتها ونشأتها والتسليم بها.
والثانية: من حيث أخذه بها، والعمل بمقتضاها.
فيجب على المسلم أن يقف من الاختلافات العلمية من الناحية الأولى، موقف جمهور العلماء من السلف والخلف الذين أسهبنا في تحقيق موقفهم منها في الفصل السابق ...
وأما موقفه منها من الناحية الثانية، فلا شك أنه يختلف حسب مكانته العلمية والفقهية، فالمرء في هذه الحياة لا بد أن يكون أحد ثلاثة: عالمًا أو عاميًا أو متعلمًا.
ومن الإفراط والتفريط أن نتجاهل هذه الأقسام، ونعمم الحكم على هؤلاء، إذ لا يجوز أن نرفع الناس كلهم إلى درجة العلماء والمجتهدين، كما لا يجوز أن ننزل بهم كلهم إلى درجة العوام المقلدين.
ولو فعلنا ذلك لظلمنا العلم وأهله، وسوينا بين العالم والجاهل، (( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .. ؟! ) ) (الزمر: من الآية 9)
وإليك الكلام عن كل صنف من هذه الأصناف الثلاثة:
1 -العالم: ونريد به المجتهد المستنبط للأحكام على اختلاف درجاته، فلا مناص لهذا من أن ينظر في المسائل الاختلافية ويمحص أدلتها، ويجتهد في الاستنباط والترجيح، ليعمل بما يراه أنه الحق ... ولو خالفه في ذلك المخالفون، إذ لا مصير له إلى تقليد غيره عند جمهور العلماء ...
وقال بعضهم: (( يجوز له تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله ) )
وقد نقل مثل هذا عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني"المستصفى (384:2) الفقيه والمتفقه (69:2) ".
قال الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه:
(( وقد جعل الله العلم وسائل أوليائه، وعصم به من اختاره من أصفيائه، فحقيق على