الفصل الرابع
أسباب الاختلافات العلمية
لقد تبين لنا مما سبق، أن اختلاف العلماء في استنباط المسائل العلمية وتعدد آرائهم في المسألة الواحدة أمر طبعي، تبعًا للأسباب المقتضية لذلك الاختلاف ...
إلا أننا نجد بعض قاصري النظر، يقفون من هذه الاختلافات العلمية موقف المستغرب المستنكر، أو المتشكك المرتاب ...
ولعل السبب في هذا الموقف المتطرف، اعتقاد هؤلاء أنه لا مجال لاختلاف العلماء إذا توفرت لديهم النصوص، وكأن سبب الاختلاف محصور عندهم في ثبوت النص وعدم ثبوته، فإذا توفرت النصوص لدى الجميع بسبب من الأسباب، كتدوين السنة في الصحاح مثلًا، وتميز صحيحها عن ضعيفها، كان لازمًا أن يذهب هذا الاختلاف، وتزول آثاره بين العلماء، وتعود الآراء المتعددة رأيًا واحدًا لا خلاف فيه.
وكثيرًا ما أدت هذه النظرة السطحية الخاطئة لمسألة اختلاف العلماء في الأحكام إلى موافق مختلفة، جعلت بعض الناس ينوء بها فيعرض عنها، وجعلت صنفًا آخر منهم يتهجم عليها ويحاربها.
كما جعلت أناسًا آخرين يقتنعون بدعوة التوحيد بين المذاهب والآراء ظانين أن الوقت قد حان -وقد دونت السنة وانتشرت كتبها في الأقطار- ليجمعوا الناس على قول واحد ومذهب واحد يدعى بمذهب الكتاب والسنة، ويؤكدون صلاحية ذلك بأنه: لا داعي لهذه الاختلافات والمذاهب ما دام الدين واحدًا والقرآن واحدًا، والسنة واحدة ...
ولو رجع هؤلاء إلى ما بينه الأئمة والعلماء من أسباب الاختلاف، لعلموا أن ما ظنوه السبب الأصلي الوحيد في الاختلاف -وهو عدم وصول النص إلى المختلفين -ما هو إلا سبب واحد يسير من الأسباب العديدة التي أدت إلى تنوع هذه الآراء، واختلافها واختلاف الاستنباط بسببها ..
وتبعًا لتعدد الأسباب وتداخلها، اختلف العلماء في بيان أسباب الاختلاف إلى مجمل فيها، ومفصل لها، لكني أرى أن هذه الأسباب جميعها تعود في حقيقة الأمر إلى أربعة أسباب إجمالية، تتفرع عنها الأسباب التفصيلية الأخرى ...
وهذه الأربعة هي: