في فضل علم أهل المدينة، وترجيحه على علم غيرهم، واقتداء السلف بهم.
من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد:
عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه.
اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تقضي الناس بأشياء، فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز:
(( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) (التوبة:100) وقال تعالى:
(( فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) (الزمر:17 - 18) .
فإن الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن. وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.
ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا، أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم، سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم. وإن خالفهم مخالف، أو قال أمرًا غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله، وعمل بغيره.
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به، لم أر لأحدٍ خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها.
ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل الذي ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقةٍ، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.
فانظر -رحمك الله- فيما كتبت إليك به لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعاني ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده والنظر لك والضن بك ... فأنزل كتابي هذا منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحًا.