ومن أمثلة ذلك بعد عصر التدوين أن الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه الأم، ذكر عددا من الأحكام وعللها بعلل جامعة، تشمل مسائل عديدة؛ من ذلك قوله -رحمه الله-: لا ينسب إلى ساكت قول، ومنها قوله: الرخص لا يتعدى بها محلها، فأخذت هذه الألفاظ كقواعد عامة -قواعد فقهية-، ورتبت عليها أحكاما فقهية في أبواب عديدة.
ومن ذلك قول الإمام أبي يوسف -رحمه الله-: التعذير إلى الإمام على قدر الجناية، ومن ذلك قول الإمام أحمد: كل زوج يلاعن، ومنها قوله عن الوصي: لا يشتري كيف يبيع، يعني: لا يشتري من الميراث، كيف يشتري وهو يبيع؟ فأخذ من هذا قاعدة فقهية أن من يبيع لا يشتري، فمثال ذلك الوكيل إذا كان سيبيع بضاعة لغيره، فإنه لا يجوز أن يشتري تلك البضاعة لنفسه.
ثم بعد ذلك، وبعد هذه العصور -عصور أوائل التدوين- رغب العلماء جمع تلك القواعد في مؤلفات خاصة، وذلك أن الفروع الفقهية متكاثرة، ولا يمكن الإحاطة بها فعندما نضبط تلك القواعد نستطيع ضبط الفروع الفقهية، فحاول العلماء التأليف في القواعد الفقهية.
ومن أوائل من ألّف في القواعد الفقهية: أبو الحسن الكرخي، المتوفى سنة أربعين وثلاثمائة في كتاب عرف بعد ذلك باسم"أصول الكرخي"، ثم ألف بعده أبو زيد الدبوسي كتابه:"تأسيس النظر"وذكر فيه عددا من القواعد الفقهية، وذكر فيه عددا من الفروع الفقهية المترتبة على تلك القواعد، وإن كان غالب ما يذكره من القواعد قواعد خلافية بين الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وبين الإمام أبي حنيفة وبقية الأئمة، كمالك والشافعي وغيرهم.
ثم بعد ذلك، ولعل سبب كون الحنفية هم أول من ألف في القواعد الفقهية هو مقاربة طريقة التأليف في القواعد الفقهية لطريقة الحنفية في التأصيل، فإن من المعلوم أن علماء أصول الفقه لهم منهجان في التأليف الأصولي.
المنهج الأول: تقرير القواعد بناء على الادلة، بغض النظر عن الفروع، وهذا هو منهج جمهور العلماء، وعليه سار علماء المالكية والشافعية والحنابلة.