فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 130

فدل ذلك على أن النية عند المؤلف شرط لصحة العمل، ولكن يؤخذ على هذا أمر آخر، وهو أن بعض أفعال المكلفين تصح، ولو لم يوجد فها نية.

مثال ذلك أداء الدين، فإنه يصح ولو لم ينو العبد هذا الفعل، أو ولم ينو به التقرب لله - عز وجل - ومثله النفقة على الأقارب، وإزالة النجاسة. هذه أعمال تصح، ولو لم توجد معها النية، فدل ذلك على أن عنونة المؤلف تحتاج إلى إعادة نظر؛ وذلك لأن من الأعمال ما يصح، ولو لم يكن معه نية.

وقد عبر بعض العلماء عن هذه القاعدة بعنوان آخر فقالوا: لا ثواب إلا بنية، وأكثر من يجعل هذه القاعدة هم الحنفية؛ لأنهم يصححون كثيرا من الأعمال بدون النية، ولكنهم يقولون: لا يوجد الثواب إلا إذا وجدت النية، لذلك فإن الوضوء عند الحنفية صحيح، ولو لم ينوه المكلف، والغسل صحيح ولو لم ينوه المكلف، والجمهور على خلاف ذلك يشترطون لصحة الوضوء والغسل النية.

وأدلة هذه القاعدة تدل على صحة مذهب الجمهور، وضعف مذهب الحنفية، ولذلك عنون العلماء لهذه القاعدة بعنوان آخر فقالوا في عنوانها: الأمور بمقاصدها، وعبروا بقولهم: الأمور؛ ليدخل في ذلك الأقوال والأفعال وأعمال القلوب، وقالوا: بمقاصدها، ولم يعبروا بالنيات؛ ليكون ذلك أشمل.

ولكن يلاحظ على هذا العنوان عدد من الملاحظات: منها أن قولهم: بمقاصدها فيه جعل المقصد مناطا بالأمور، والأمور ليس لها مقاصد، وإنما المقاصد تكون إما للشارع، وإما للمكلفين.

وأما الأفعال فإنه لا يصح أن يقال: إن الفعل له مقصد، وإنما المقصد للشارع أو للمكلف، كما انتقد ثانيا ++بأن قولهم: الأمور يشمل الذوات؛ لأن الذات أمر من الأمور؛ لأن الأمر هو الشأن كما قال -جل وعلا-: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) } [1] وليس المراد بالأمر هنا الطلب؛ لأن الأمر بمعنى الطلب جمعه أوامر، وهم قالوا هنا: أمور ولم يقولوا: أوامر، ولا يصح أن تناط الأحكام الشرعية بالذوات، فلا يصح لنا أن نقول مثلا: الجدار جائز، وإنما تناط الأحكام الشرعية بأفعال المكلفين، فيقال: بناء الجدار، بيع الجدار هدم الجدار، ونحو ذلك من الأفعال.

(1) - سورة هود آية: 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت