فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 130

أما أن تناط الأحكام بالذوات فهذا لا يصح، ولذلك فلعل أصوب العناوين التي تعنون بها قاعدة النية أن يقال: الأعمال بالنيات، وبذلك نكون قد وافقنا لفظ النبي - ولا شك أن الموافقة للفظ النبي - من الأمور المطلوبة، وبذلك أيضا نشير إلى دليل هذه القاعدة، وهو الحديث الوارد في ذلك، فإن قال قائل: قولنا الأعمال بالنيات لا يدخل فيه الأقوال، ولا أحوال القلوب قيل له: هذا فهم خاطئ، بل الصواب أن الأقوال تدخل في الأفعال، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [1] فسمى القول الذي يوحي به الشياطين بعضهم إلى بعض سماه فعلا، فدل ذلك على أن الأقوال تدخل في مسمى الأعمال.

وأما أحوال القلوب فإنها أيضا مما يدخل في مسمى الأعمال إذا كانت عملا مثل: الرجاء والخوف. هذه أعمال من أعمال القلوب فهي أعمال فتدخل في القاعدة، فإن قال قائل: قولنا الأعمال بالنيات يحتمل أن يراد به صورة الفعل، ويحتمل أن يراد به صحة الفعل، ويحتمل أن يراد به كمال الفعل، فهذه القاعدة تحتاج إلى تقدير، والتقدير متردد بين معان عديدة، فلا بد أن يعين أحد تلك المعاني من أجل أن نقدر القاعدة به، فحينئذ القاعدة مجملة فيقال: إن هذه القاعدة قاعدة يراد بها معرفة أحكام الشريعة، فتحمل على العرف الشرعي؛ لأنه لا يصح أن تحمل القاعدة على صورة الأفعال، فإن صورة الصلاة توجد، ولو لم يوجد نية ألا يمكن أن يوجد إنسان يصلي بدون نية، ويتوضأ ويغتسل بدون نية ممكن، لكن المراد الحكم الشرعي؛ لأننا نتكلم عن عرف شرعي وألفاظ شرعية، فلا بد أن نحمل القاعدة على الألفاظ والمعاني الشرعية إذا تقرر أن هذا العنوان هو أولى ما عنونت به هذه القاعدة، فما دليل القاعدة؟.

القاعدة ثابتة في الشريعة، ويدل عليها عدد من النصوص منه قوله سبحانه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) } [2] وكما

(1) - سورة الأنعام آية: 112.

(2) - سورة الإسراء آية: 18 - 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت