ج: إذا قصد الإنسان أن يحفظ نفسه من العين التي تقطعه عن أعمال الآخرة؛ فإنه يكون ناويا لأعمال الآخرة، لكن من أراد أن الأذكار تقطعه وتمنع عنه العين التي تقطعه من أعمال الدنيا، فإنه لم ينو إلا الدنيا، وبالتالي لا يستحق الأجر والثواب، وهذا ينبغي أن يلاحظ في جميع الأعمال.
بعض الناس يتصدق ليدفع عن نفسه المصائب الدنيوية، فهذا لا يستحق إلا الأجر الدنيوي، حينئذ ينبغي للإنسان أن يلاحق نفسه بالنية، وأن ينوي بأعماله الأجر الأخروي. نعم.
أحسن الله إليكم.
س: يقول: ألا يقال: إن الكافر تصح نيته عند من قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
ج: من قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لم يُصحح عباداتهم في الدنيا، وفائدة هذه المسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة في الآخرة، ولا تظهر لها أي ثمرة في الدنيا، ومن قال: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة قال: إنهم يعاقبون عقوبة زيادة عن العقوبة بأصل الإيمان في الآخرة، والآخر يقول ومذهبه يقتضي أنهم يعاقبون زيادة عقوبة في الآخرة.
والصواب: أن الكفار يعاقبون في الآخرة بسبب تركهم للفروع بدلالة النصوص الدالة على ذلك، بدلالة أن الكفار في الآخرة على مراتب متفاوتة، على دركات مختلفة، فدل ذلك على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة.
والذي يظهر لي أن الخلاف في هذه القاعدة لم يتوارد على محل واحد، بل من قال بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة أراد شيئا، وهو ما يتعلق بأعمال الآخرة، ومن قال بأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة، أراد أحكامهم في الدنيا بأنهم لا يطالبون بقضاء ما فاتهم من العبادات، فكل منهم أراد شيئا مغايرا لمراد الآخر ..
ولذلك الذين يرتبون فروعا فقهية على هذه القاعدة إذا نظرت إليها وجدت تلك الفروع تختص ببعض أنواع الكفار، فمنها: ما يتعلق بأهل الذمة فقط، ومنها: ما يتعلق بالمرتدين فقط، ومنها: ما يتعلق بأهل الحرب فقط، لا تجد فرعا فقهيا يتناول طوائف الكفار ككل، وهذا يدلنا على أن المراد بهذه القاعدة إنما هو أحكام الآخرة، وأما أحكام الدنيا فليست مرادة بهذه القاعدة مطلقا، ولا يصح أن نرتب على هذه القاعدة أي أثر فقهي دنيوي، نعم.
أحسن الله إليكم.
س: يقول: الذي ينوي فعل المحرَّم، ولكنه لم يفعله، فهل يستحق العقوبة؟
ج: نية المحرَّم على نوعين: الهم الذي يرِدُ على الخاطر. بعض الناس يسميه نيّة، والصواب أنه لا يسمى نية، لكن الهمّ الذي يرد على الخاطر ولا يتمادى به الإنسان، ولا يفعل شيئا من مقدمات المحرَّم لا يستحق به العبد الإثم، وبذلك فُسِّر همُّ يوسف- عليه السلام-، بل إذا تركه العبد لله استحق الأجر والثواب عليه.
وخواطر الشياطين والوساوس الذي يلقيها في القلوب لا يؤاخذ العبد بها، وإنما يؤاخذ عندما لا يدفعها عن نفسه.
النوع الثاني: ما جزم به العبد، جزم أن يفعله من المحرمات، وقد يكون فعل شيئا من أسبابه، ولم يتيسر له؛ فإنه يستحق العقوبة على النية دون عقوبة الفعل؛ لأن الفاعل يترتب بفعله ثلاثة أنواع من العقوبات: عقوبة على الجزم والعزم بالنية، وعقوبة على الفعل، وعقوبة على الآثار المترتبة عليه.
فإن قال قائل: إن الحديث جاء فيه:"فمن همَّ بسيئة ففعلها كُتِبَتْ عليه سيئة"قيل له: كتب عليه أصل الهمِّ الذي فعله، أصل النية الواردة على فعله، واستحق على الفعل عقوبة أخرى، واستحق على الآثار عقوبة ثالثة، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن النبي -"ما من قتيل يقتل إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمِها"وجاء في الحديث الآخر:"من سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"فهذا من العقوبة المترتبة على الفعل بسبب الآثار، نعم.
أحسن الله إليكم.
س: يقول: جرى في كلام الشارع: إناطة الأحكام بالذوات كما في قوله -تعالى-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [1] وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [2] مع أنه قد علم أن المراد بالتحريم معروف
من السياق مثل أن يكون ما أعدت له كالأكل في الميتة، والنكاح في الأمهات، وغير ذلك، والتقدير جار في لسان العرب، فما توجيه الاستدراك على التعبير بالأمور بمقاصدها، وجزاكم الله خيرا؟
(1) - سورة المائدة آية: 3.
(2) - سورة النساء آية: 23.