فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 130

ملجئا"، هذا الذي يزول فيه الاختيار. ويسميه الحنفية"اضطرارا"، يسمونه اضطرارا. وبالإجماع أن التكليف يزول بهذا النوع من أنواع الإكراه."

النوع الثاني من الإكراه: إكراه يبقى معه الاختيار. كمن هدد بالقتل، أو بقطع عضو، أو بالحبس والضرب، ويسميه الجمهور"إكراها غير ملجئ". والحنفية يقسمون هذا القسم إلى قسمين: إن كان التهديد بالقتل أو بالقطع، سموه"إكراها ملجئا"، وإن كان الإكراه بالحبس أو الضرب، سموه"إكراها غير ملجئ".

ولهذا النوع من الإكراه شروط: منها أن يكون المكرِه قادرا على إيقاع ما هدد به، ومنها أن يكون المكرَه عاجزا عن دفع ما أكره عليه، ومنها أن يغلب على ظن المكرَه أن المكرِه سيوقع ما هدد به، ومنها أن يكون التهديد عاجلا غير آجل.

فهذا النوع من الإكراه، هل يزول به التكليف؟ جمهور أهل العلم قالوا: لا يزول به التكليف؛ لأن معه اختيارا، فهو يقدر على الفعل، ويقدر على عدمه. والمعتزلة يقولون: يرتفع التكليف في هذه الحالة.

وثمرة الخلاف بين المعتزلة والجمهور -في هذه المسألة- مَن أُكرِه على فعل الصلاة، أو أكره على الدخول في الإسلام، فنوى بصلاته، أو بدخوله في الإسلام، وجه الله تعالى، فحينئذ تصح صلاته على مذهب الجمهور، خلافا للمعتزلة.

إذا تقرر ذلك، فإذا أكره الإنسان على شيء، هل يجوز له أن يفعل ما أكرِه عليه؟ بعض الفقهاء يقول: نعم، يجوز ذلك مطلقا. وبعضهم يقول: يجوز في الأفعال دون الأقوال. والصواب في هذه المسألة: أن الإنسان يقارن بين موجب الإكراه، وبين الفعل الذي أُكره عليه، فيفعل أدناهما مفسدة.

مثال ذلك: من قيل له: ادخل بيت غيرك، وإلا قتلناك. هنا أيهما أقل مفسدة؟ الدخول أقل مفسدة، فيدخل البيت. ولو قيل له: اقتل فلانا وفلانا، وإلا قتلناك. فحينئذ موجب الإكراه أقل مفسدة، فلا يقدم على فعل ما أكره عليه. هذه هي القاعدة في باب الإكراه.

وأما النسيان فالمراد به: الغفلة عما كان يستحضره الإنسان. هذا المراد بالنسيان. والنسيان يسقط به الفعل، ويسقط به التأثيم، فلا يأثم الإنسان إذا ترك شيئا ناسيا، أو فعل شيئا ناسيا. وإن كان النسيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت