متعلقا بحقوق الخلق، وجب على الإنسان ضمان ما أتلفه. وأما إذا كان النسيان في حقوق الله، فحينئذ هل يطالب الإنسان بأداء ما نسيه؟ أو يلحقه وجوب تدارك ما نسيه؟
نقول: لا تخلو الأفعال من شيئين: أفعال مأمور بها شرعا، فهذه إذا وقع النسيان فيها، فإنها -إذا نُسيت- يجب تداركها وفعلها. مثال ذلك: من نسي الصلاة، فإنه يجب عليه تدارك ما نسيه؛ لقول النبي - -كما في البخاري-:"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك".
والنوع الثاني: منهيات. فالمنهيات إذا فُعل فيها الشيء نسيانا، فإنها لا تؤثر على الفعل. ودليل ذلك: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيح"من أكل أو شرب ناسيا، وهو صائم، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله - عز وجل - وسقاه".
وهناك أفعال يقع فيها الجانبان: جانب حق المخلوق، وجانب حق الخالق سبحانه. فحينئذ يرتَب على الفعل الأمور المتعلقة بحق المخلوق، دون حق الخالق، إذا كان في نسيان الفعل في المنهيات. مثال ذلك: رجل طلق زوجته، ثم خرجت من العدة، ثم وطئها ناسيا كونه قد طلقها.
فحينئذ بالنسبة للإثم ساقط، بالنسبة للأمور المترتبة على هذا الفعل في حقوق الله؛ ولأنه في منهي، فلا تعتبر. فلا يقام عليه حد الزنا، إلى غير ذلك مما يتعلق بحق الله. وأما ما يتعلق بحق المخلوق، حق المرأة، ما يجب لها من المال، أو لإثبات النسب، فهذا ثابت.
وبهذه القاعدة -قاعدة النسيان- نفرق بين الشروط والموانع. فإن الشرط إذا تُرك نسيانا، أثر في العبادة. وأما المانع إذا فعل نسيانا، فإنه لا يؤثر في العبادة. نقف على هذا.
نسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا -وإياكم- العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلنا -وإياكم- من عباده المتحابين فيه، وأن يغفر لنا ولكم ذنوبنا، وأن يوفق علماء الشريعة لبيان أحكامها، وأن يوفق جميع المسلمين للدعوة لهذا الدين، وللتمسك به، وأن يوفق ولاة أمور المسلمين للحكم بهذه الشريعة. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
أحسن الله إليكم، وأثابكم، حفظكم الله.