النوع الثاني: إذا نهى عن الفعل لوصف فيه أو لشرطه، فهذا يدل على فساده أيضًا وبطلانه، ومثال ذلك: النهي عن الصلاة في أوقات النهي، قال:"لا تصلوا بعد العصر لا صلاة بعد صلاة العصر ولا صلاة بعد الفجر"وهنا نهي عن الفعل حال اتصافه بهذا الوصف، والحنفية يقولون: هذا القسم فاسد، وليس باطلًا، ويرتبون عليه أن الإنسان لو نذره لصح النذر، ووجب عليه القضاء، لو نذر أن يصلي نافلة مطلقة بعد العصر، صح عند الحنفية لكنهم يقولون: يصلي ركعتين في وقت غير وقت النهي.
والنوع الثالث: من أنواع النهي أن يأتي النهي عن الوصف، بدون ذكر العقل، مثال ذلك: جاءت الشريعة بالنهي عن لبس الحرير للرجال، فلو حصل أن إنسانًا صلى بثوب حرير فهل تصح صلاته؟ قال الجمهور: هنا -نعم- تصح الصلاة، وعليه إثم المعصية، وقال الحنابلة: لا تصح صلاته، إذ كيف يتقرب العبد لله بفعل منهي عنه، وكيف يكون الفعل الواحد معصية ويكون أيضًا طاعة، فإنه يعصي الله بنفس صلاته فركوعه معصية وسجوده معصية، فكيف يتقرب لله - عز وجل - بما هو معصية؟ . وهذا القول أظهر في الدليل لقول النبي -"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"ومن هذا مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، فإنها صحيحة عند الجمهور وعليه إثم الغصب، والصواب أن صلاته باطلة، إذ كيف يتقرب إلى الله بركوع محرم؛ لأنه بنفس ركوعه يستخدم الأرض المغصوبة، فيكون عاصيًا لله بنفس الركوع، فكيف يكون الركوع المحرم قربة وطاعة لله - عز وجل - لكن لو كان النهي عن وصف مستقل عن الفعل، فإنه لا يدل على الفساد، ولا على البطلان.
مثال ذلك: جاءت الشريعة بالنهي عن تلقي الركبان، تلقي الركبان هذا فعل، فلا يدل ذلك على فساد البيع؛ لأن البيع هنا فعل مستقل فهو لا يعصي الله بنفس البيع، ومثال ذلك: التصرية بيع المصرات، فإن بيع المصرات بيع صحيح؛ لأنه لا يعصي الله بنفس البيع، وإنما يعصي الله بالتصرية، والتصرية فعل مستقل عن البيع.
وبناء على ما سبق فإن النهي يدخل في العبادات والمعاملات ويحكم له بنفس الحكم، ومن هنا فإن البيع المنهي عنه فاسد، سواء كان لأصله أو لوصفه أو لشرطه، فلا يصح البيع بعد النداء الثاني للجمعة على الصحيح؛ لأنه منهي عنه.