تذكر يا عبد الله أن الذنوب هي سبب هلاك العبد وخسارته، فعواقبها في الدنيا واضحة مثل: القلق والحيرة، والضنك، والاضطراب في حياته، وضيق وعذاب ولعنة من الله وعقابه. فالتوبة شعور وجداني بالندم على ما وقع. وتوجه إلى الله فيما بقي. وكف عن الذنب وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها الكف بالترك. فهي فعل وجودي يتضمن إقبال التائب على ربه وإنابته إليه. والتزام طاعته، من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع منه إلى ما يحبه الله تعالى لم يكن تائبا. إلا إذا رجع وأقبل وأناب إلى الله عز وجل، وحل عقد الإصرار، وأثبت معنى التوبة في الجنان قبل التلفظ باللسان، وأدام الفكر فيما ذكره الله تعالى من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتوعَّد به العاصين، وواظب على ذلك حتى يقوى خوفه ورجاؤه. فيدعو الله تعالى رغبا ورهبا أن يقبل توبته. ويغسل حوبته، ويحط عنه خطاياه. وبهذا يكون قد حقق مدلول التوبة بالرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه، بأن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع، ويندم بقلبه ويستغفر بلسانه، ويمسك ببدنه.
فعواقب الذنوب في الآخرة لا تخفى على مسلم عاقل. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [1] . قال أبو عبيدة
(1) سورة المطففين: 7.