اعلم أن من تكفر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج منها رأى مدة طويلة وعلم أن اللبث في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة. فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له. فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا فرضنا ستين سنة مثلا فإنه يمضي منها ثلاثون سنة في النوم، ونحو من خمس عشرة في الصبا. فإذا حسب الباقي كان أكثر الشهوات والمطاعم والمكاسب.
فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية وإنما الثمن هذه الساعات.
فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ماضي من تفريطك واجتهد في لحاق الكاملين ما دام في الوقت سعة. واسق غصنك، ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت فكف بها عظة.
وقد كان السلم الصالح -رحمهم الله- يحبون جمع كل فضيلة، ويبكون على فوات واحدة منها.
قال إبراهيم بن أدهم -رحمه الله- دخلنا على عابد مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: مالك تبكي؟
فقال: ما أغبرتا في سبيل الله. وبكى آخر فقالوا: ما يبكيك؟
فقال: عليّ يوم مضى ما صمته، وعلىّ ليلة ذهبت ما قمتها.