أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
وإن أحسن ما يدّخر المرءُ من الخير والأعمال الصالحة في الآخرة، وأفضل ما يكتسب به الذخرَ في الدنيا حِفظُ ما يُعرف به الصحيح من الآثار، ويُميّز بينه وبين السقيم من الأخبار، ولا يمكن أن يعرف السقيم من الصحيح، ولا استخراج الدليل الصحيح من الصريح، إلا بمعرفة الرجال المحدثين من الثقات والضعفاء، وكيف ما كانوا عليه من الحالات، وخصوصًا بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم، حيث ظهر الكذب في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظهرت الفتن، فقد روى ابن حبان عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - حيث قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصُبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فَوَعظَنا موعظةً بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال:"أوصيكم بتقوى الله عزوجل والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا مجدّعًا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"."السلسة الصحيحة"رقم (2735) .
ثم قال ابن حبان: في قوله - صلى الله عليه وسلم:"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا فعليكم"
بسنتي"دليل صحيح على أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر أمته بمعرفة الضعفاء منهم من الثقات، لأنه لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والأباطيل إلا"