فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 44

وبعد ذلك، يتبين لنا أهمية معرفة المقصد والسبب من خروج المرأة من منزلها بغض النظر عن الوسيلة المستعملة في ذلك، ولمعرفة حكم المقصد وربط ذلك مع القواعد وضوابط الخروج، يستلزم منا بيان الأحكام التكليفية الخمسة مع ضرب مثال لكل حكم، ليتبين للمرأة بذلك أولًا ما هو حكم مقصدها، أشرًا كان أم خيرًا .. وهل هو واجب أو محرم ونحو ذلك، وعلى ضوء ذلك يتبين لها حكم قيادتها للسيارة ...

الأحكام التي تدور عليها مسألة حكم خروج المرأة أو قيادتها للسيارة تكمن في خمسة أنواع هي كالتالي:

النوع الأول: الواجب:

عند ترك المرأة المسلمة للأمر الواجب المطلوب منها فعله شرعًا، فهي بذلك تذم مطلقًا ولا تثاب على تركه ... فالواجب هو"ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه".

فخروج المرأة لزيارة محارمها هو أمر واجب شرعًا ... وهو باب من أبواب الخير، فإذا اتفق المقصد وهو هنا مقصد خيري وواجب، مع القواعد الأصولية وضوابط الخروج وما يتبعها، جاز لها الخروج وبأي وسيلة كانت .. مشيًا أو ركوبًا .. وإذا أهملت المرأة ضابط من القواعد فإنه يحرم عليها الخروج وإن كان المقصد مقصد خير وواجب شرعًا.

فإذا كان خروج المرأة لزيارة محارمها وهي سافرة متبرجة فاتنة متطيبة، فلا يجوز ويحرم أن تخرج سواء كان ذلك بوسيلة المشي أو بقيادتها للسيارة.

النوع الثاني: المندوب:

عندما يطلب الشارع من المرأة المسلمة أن تفعل فعلًا من غير ذم على تركه مطلقًا، فهذا يسمى بـ"المندوب".. فالمندوب هو"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه".

فخروج المرأة للصلاة في المسجد من الأمور المندوبة شرعًا، فإن فعلت ذلك أثيبت، وإن تركت [ (1)

(1) صلاة المرأة في المسجد مع الجماعة لا حرج فيها، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، ولو كانت منفردة، بشرط الالتزام بالآداب والضوابط الشرعية عند الخروج من البيت، كلبس الحجاب الشرعي وعدم التطيب ـ العطور والبخور، ونحوهما من الروائح الزكية ـ أو التزين أو الاختلاط بالرجال في الدخول والخروج من المسجد، وإذا أمنت الفتنة، لا سيما إذا ترتب على صلاتها في المسجد فائدة كسماع درسٍ أو موعظةٍ ونحو ذلك.

لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا"رواه مسلم، وعند مسلم أيضًا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"

ففي هذين الحديثين وما في معناهما ـ وهو كثير ـ دليل على جواز صلاة المرأة مع الجماعة في المسجد، ولو كانت منفردة.

ولأن صلاة المرأة مع الرجال مشروعة، فالنساء كنّ يصلين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد، ولا تبرز من مفاتنها شيء، ففي الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس."

ومع هذا كله فالأفضل والأولى للمرأة أن تصلي في بيتها، أو محل إقامتها حيث لا يراها أحد، لحديث أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت:"يا رسول الله أني أحب الصلاة معك قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي. قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله - عز وجل -."أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما، ولقوله - صلى الله عليه وسلم:"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"رواه أبو داود وغيره.

فدل هذان الحديثان على أنه كلما كان المكان أستر للمرأة وأبعد عن اختلاطها بالرجال كانت الصلاة فيه أفضل بالنسبة لها، وهو صريح في أن الأفضل للمرأة أن تصلي في بيتها، ولا تذهب إلى المسجد لأداء الصلوات الخمس، وأحرى الجمعة، مع أن كل ذلك يجوز لها، وهذا لا يعني أنها لا يجوز لها أن تصلي في المساجد، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى الرجال أن يمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"متفق عليه، زاد أبو داود:"وبيوتهن خير لهن".

قال الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ في الممتع 4/ 284:"قال بعض العلماء: إن هذا الحديث نهي، والأصل في النهي التحريم، وعلى هذا فيحرم على الولي أن يمنع المرأة إذا أرادت الذهاب إلى المسجد لتصلي مع المسلمين وهذا القول هو الصحيح."

ويدل لهذا أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لما قال له ابنه بلال حينما حدث بهذا الحديث"والله لنمنعهن"رواه مسلم. لأنه رأى الفتنة وتغير الأحوال، وقد قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ:"لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من النساء ما رأينا لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل"رواه البخاري ومسلم.

فلما قال"ولله لنمنعهن"أقبل إليه عبد الله فسبه سبا شديدا ما سبه مثله قط وقال له: أقول لك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا تمنعوا إماء الله"وتقول:"والله لنمنعهن!!"فهجره، لأن هذا مضادة لكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا أمر عظيم وتعظيم كلام رسوله عند السلف لا يماثله تعظيم أحد من الخلف وهذا الفعل من ابن عمر يدل على التحريم. لكن إذا تغير الزمان فينبغي للإنسان أن يقنع أهله بعدم الخروج حتى لا يخرجوا، ويسلم هو من ارتكاب النهي الذي نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -"ا. هـ"

قلت: فقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك مع علمه بفضل الصلاة في المساجد عامة، والصلاة في مسجده وخلفه خاصة، فدل ذلك على أن صلاة المرأة في سكنها خير لها من صلاتها في أي مسجد، سواء كان المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو غيرهما بالأولى.

وهذه الأحاديث ـ أعني الأحاديث الواردة في أفضلية صلاة المرأة في بيتها ـ مخصصة لعموم الأحاديث الواردة في فضيلة الصلاة في المساجد الثلاثة.

فالإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعوا إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة واجب على الرجال وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك ولا يجوز ويحرم عليهن الخروج، وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت