فنحن نرى فيه مجرد تصنع وتكلف، لا إنتاجا حرا من قبل الطبيعة أو عملا فنيا. إن تغريد العندليب يبهجنا بصورة طبيعية، لأننا نسمع حيوانا يصدر، في لاوعيه الطبيعي أصواتا تشبه التعبير عن مشاعر إنسانية.
ما يبهجنا إذًا هنا إنما هو محاكاة الطبيعة لما هو إنساني. [1] ""
وعليه، يساعد الإبداع الإنسان على التلاؤم مع الواقع الموضوعي، والتخلص من رتابة الحياة وجمود العادة وتكرارها، وبناء ذاته من جديد، وباستمرار دائم، والتفكير في نفسه ومصيره ومستقبله، بتجاوز الواقع الكائن نحو الواقع الممكن، بعوالمه التخييلية الرحبة.
ومن جهة أخرى، يجب أن نميز بين الإبداع الإنساني والإبداع الإلهي. فالإبداع الإنساني هو إبداع نسبي في جميع فعاليات السلوك، ومحدود بطاقات الإنسان المحدودة أيضا. أي: لايمكن للإنسان أن يتخطى بعض الحواجز على مستوى الإدراك من حيث الزمان والمكان. وبالتالي، لايمكن له أن يدرك عوالم الغيب، ويعتمد، في ذلك، على نماذج معينة يحاكيها ويقلدها أو يتجاوزها خلقا وإبداعا. في حين، يتميز الإبداع الإلهي بالكمال المطلق لأنه خلق من عدم.
وعليه، فالإبداع، في المنظور السيكولوجي، هو القدرة على إيجاد حلول جديدة لوضعيات أو مشكلات مطروحة، باختراع أشياء طريفة وحديثة، أو اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء. ومن هنا، تتجسد قدرة الإبداع في الاختراع والاكتشاف معا. فالاختراع هو إيجاد شيء ما لم يكن موجودا. أي: إنشاء شيء جديد. أما الاكتشاف، فهو إيجاد شيء خفي أو مجهول كان موجودا. وفي الحقيقة، كل اختراع هو اكتشاف، وكل اكتشاف هو اختراع. ومن هنا، فالإبداع هو اكتشاف أشياء خفية أو مجهولة غير معروفة لدى الناس، بإيجادها من
(1) -هيجل: مدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة سنة 1988 م، صص:36 - 40.