مصدرا بالتالي للذة. إن هذا التعريف يعزو إلى الفن هدفا شكليا خالصا، هدف إعادة صنع ما هو موجود في العالم الخارجي وما هو موجود فيه، مرة ثانية، وبالوسائل المتاحة للإنسان. لكن هذا التكرار قد يبدو شاغلا عديم النفع لا طائل فيه؛ إذ ما حاجتنا إلى أن نرى من جديد في لوحات أو على
خشبة المسرح حيوانات أو مناظر أو أحداثا إنسانية سبق لنا أن عرفناها على اعتبار أننا رأيناها أو نراها في حدائقنا وفي بيوتنا، أو أننا سمعنا، في أحوال معينة، أشخاصا من معارفنا يتحدثون عنها؟ بل يمكننا القول إن تلك الجهود الباطلة اللامجدية ترتد إلى لعبة باعثة على الغرور والإعجاب بالذات، لعبة تظل نتائجها على الدوام دون ما تقدمه لنا الطبيعة. ذلك أن الفن المحدود في وسائل تعبيره، لا يستطيع أن ينتج سوى أوهام أحادية الجانب، ولا يمكنه أن يقدم سوى ظاهر الواقع لواحدة فحسب من حواسنا؛ وبالفعل، حين لا يتخطى الفن المحاكاة الخالصة يعجز عن الإيحاء لنا بواقع حي أو بحياة واقعية: فكل ما في وسعه أن يعرضه علينا لا يعدو أن يكون صورة كاريكاتورية للحياة ... من قبيل ذلك أن زوكسيس كان يرسم عنبا له ظاهر جد طبيعي بحيث كان الحمام يخدع به ويأتي إليه لينقره، كما رسم بركسياس ستارة خدعت إنسانا، هو الرسام عينه؛ وما أكثر القصص المتداولة عن خداع الفن، يتحدث المتحدثون، في أشباه هذه الحالات، عن ظفر للفن وانتصار ...
و يمكن القول، بصورة عامة، إن الفن بتطلعه إلى منافسة الطبيعة بمحاكاتها، سيبقى أبد الدهر دون مستوى الطبيعة، وسيكون أشبه بدودة تجهد وتكد لتضاهي فيلا. ثمة أناس يعرفون كيف يحاكون زغردة العندليب، وقد قال كانط بهذا الصدد أننا ما إن ندرك أن إنسانا هو الذي يغرد على ذلك النحو، وليس العندليب، حتى نجد ذلك التغريد غثا عديم المعنى.