وعندما يتمتع أفراد المجتمع بالحرية، فتكون التربية بذلك قد أسهمت في بناء مجتمع مفتوح. ونعني بالمجتمع المفتوح المجتمع الذي يسعى عن قصد وتصميم في سبيل تطوره، ولا يعمل فقط على المحافظة على الوضع الراهن. وهذا المجتمع هو مجتمع قد نظم تنظيما يدخل في اعتباره حقيقة التغيير في الأمور الإنسانية. وهو مجتمع يقبل التغير على أنه وسيلة للقضاء على الفساد والانحلال، وأن الذكاء الإنساني والمجهود التعاوني من جميع أفراد المجتمع تؤدي جميعا إلى نمو الإنسانية وتقدمها." [1] "
وينضاف إلى ذلك أن التربية تحقق مجموعة من الوظائف الجوهرية، كالتعليم، والتثقيف، والتطهير، والتهذيب، والتنوير، وتحرير الفكر من قيود الأسطورة والخرافة والشعوذة، والسمو بالإنسان نحو آفاق إيجابية ومثالية.
من المعروف أن الإبداع غير مقتصر على الإنسان فقط، بل يتعدى ذلك إلى الحيوان الذي يبدع أيضا من أجل التكيف مع الطبيعة، ومواجهة الظروف الصعبة، فالطائر يبني عشه ليحتمي به، والنحلة تصنع خليتها لتضع فيها عسلها، والفأر يحفر جحره ليعيش فيه. ويعني هذا أن الحيوان كائن حي مبدع ومتقن (النمل مثلا) ، إلا أن إبداعه طبيعي صرف، وغريزي ثابت، تنقصه الأهداف الواعية، ويحتاج إلى اللغة التواصلية الأساسية، ويفتقد الوسائل الناجعة لتحقيق ذلك بشكل مستمر ومتجدد تخطيطا وتدبيرا وتقويما.
أي: يعيش الحيوان في نطاق زماني ومكاني محدود وضيق، ويعتمد على حواسه المباشرة لالتقاط جملة من الصور المدركة ماديا وحسيا. في حين، يتميز الإنسان بقدرة فائقة وخارقة على التخييل، وتوظيف ذاكرته في استرجاع الأحداث
(1) - محمد لبيب النجيحي: مقدمة في فلسفة التربية، دار النهضة العربي للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1992 م، ص:240.